رَمِيمٌ (٧٨)) (١) فأنزل الله تعالى البرهان الساطع : (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)) (٢) فانصرف مبهوتا ببرهان نبوته.
قلت : وهذا أقطع للحجة ، وهو استدلاله للمعاد بالبداءة ، فالذى خلق الخلق بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا ، قادر على إعادتهم كما قال : (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)) (٣) أى يعيدهم كما بدأهم كما قال فى الآية الأخرى : (بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)) (٤) وقال : (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) (٥) هذا وأمر المعاد نظرى لا فطرى ضرورى فى قول الأكثرين ، فأما الّذي حاج إبراهيم فى ربه فإنه معاند مكابر فإن وجود الصانع مذكورا فى الفطر ، وكل واحد مفطور على ذلك ، إلا من تغيرت فطرته ، فيصير نظريا عنده ، وبعض المتكلمين يجعل وجود الصانع من باب النظر لا الضروريات ، وعلى كل تقدير فدعواه أنه هو الّذي يحيى الموتى ، لا يقبله عقل ولا سمع ، وكل واحد يكذبه بعقله فى ذلك ، ولهذا ألزمه إبراهيم بالإتيان بالشمس من المغرب إن كان كما ادعى (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وكان ينبغى أن يذكر مع هذا أن الله تعالى سلط محمدا على هذا المعاند لما بارز النبي صلىاللهعليهوسلم يوم أحد ، فقتله بيده الكريمة ، طعنه بحربة فأصاب ترقوته فتردى عن فرسه مرارا ، فقالوا له : ويحك ما لك؟ فقال : والله إن بى لما لو كان بأهل ذى المجاز لماتوا أجمعين : ألم يقل : بل أنا أقتله؟ والله لو بصق على لقتلنى ـ وكان هذا لعنه الله قد أعد فرسا وحربة ليقتل بها رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فقال : بل أنا أقتله إن شاء الله ـ فكان كذلك يوم أحد.
__________________
(١) سورة يس ، الآية : ٧٨.
(٢) سورة يس ، الآية : ٧٩.
(٣) سورة يس الآية : ٨١.
(٤) سورة القيامة ، الآية : ٤٠.
(٥) سورة الروم ، الآية : ٢٧.
