فلما علم بمخرج التجريدة وأنها واصلة لا محالة إلى الهند تحقق أن الافرنج يقبضونه ويقتلونه أو يأسرونه ، ولا عاد يحصل له مخلص منهم أبدا ، فدبّر الحيلة في المخرج من الدّيو على أي حالى فوشر (١) مركبا كبيرا على أنه يبغاه (٢) يسافر إلى تحت الريح ، فأخذ سفرات من تجار الإفرنج بعد ما أكمل المركب ، وطلّع ما يحتاج إليه من آلات السّفر ، وكان له بيت قريب السّاحل وله باب صغير إلى السّاحل بأمر الإفرنج يدخل ويخرج منه إلى البحر إذا بدت له حاجة محبة منهم ، إذا كان أبواب البلاد كلها مغلقة بالليل ، فكان السّنابيق تختلف إلى المركب للتّطليع على العادة ، فلما كان ليلة سفر المركب ، وكان قد جعل فيه غراب صغير كالخفية ، فتح الباب الصغير من داره الذي إلى البحر ، وطلع حريمه وعياله في سنبوق صغير وتزّيا بزي النساء معهم وفيه عبيده وبحرته ، فطلع في الغراب هو وعياله وحريمه ، وما له وعبيده ، وقال لأهل المركب : أصروا إلى بندر يكون من بنادر المسلمين ، وخذوا خبرنا واعزموا إلى جدة المحروس ، وأنا مسافر في غرابي هذا إلى بندر سورة منير إلى السّلطان محمود ، وكان من عادة الخواجا صفر ما يخرج من بيته ويبرز للناس إلى وقت الضحى العال ، فلما لم يبرز على العادة ، وعلموا الإفرنج أنه فات وهرب أرسلوا وراءه غرابين وفيها جرارين أن ظفروا بالمركب أو ظفروا بالغراب فطردوا فلم يجدوا لا حسّا ولا أثرا ولحق صفر السلطان محمود ابن أخو بهادر شاه ، وكان إذ ذاك صغير السّن عمره ثلاثة عشرة سنة والأمر والنّهي لوزرائه ، فلما وصل إليهم صفر قاموا بواجبه وقال له : أسعدوني بعسكر وعدد آخذ لكم الديو بلادكم ، فقالوا له : هيهات كيف تأخذ الدّيو واستخفوا به ، وكان بين السّلطان محمود ووزرائه خلاف ، وقد تغلّب على بلاد نجدية الديو ، بعد قتل بهادر شاه ، فأصلح بينهم صفر ، وسار معه على حرب الإفرنج إلى الديو في عسكر ، وأخذ صفر جماعة من العرب والحبوش وغيرهم من
__________________
(١) من مصطلحات أهل البحر في مدينة الشحر (وهي هنا بمعنى صنع مركبا).
(٢) يبغاه : من كلامهم بمعنى (يبغيه).
