ذلك ، وكان فقراؤه بعد أن علموا منه ذلك يبادرون بكتب ما وجده من نظمه على الجدارات فيجمعونه بعضه إلى بعض وحكي : أن بعض المنشدين أنشد بين يديه قصيدة من نظمه فطرب لها وتمايل عليها ، ثم سأل عن قائلها ، فقيل إنها من نظمك فأنكر ذلك ، وقال : حاشا ، ما قلت شيئا مرتين ، وكان نفع الله به مولعا بشرب القهوة ليلا ونهارا ، وكان يطبخها بيده ، وكان لا يزال قدرها بين يديه وقد يجعل رجله تحتها في النار مكان الحطب ، وكان كل ما يأتي إليه من النّذر ونحوه ، إن كان من المأكولات طرحه فيها ، أو من غيره أوقد به تحتها كائنا ما كان من ثوب نفيس أو عود أو غير ذلك وقيل : أن السلطان عامر بن عبد الوهاب بعث إليه بخلعة نفيسة فألقاها تحتها فاحترقت ، فبلغ ذلك السلطان ، فغضب وأرسل يطلبها منه فأدخل يده في النار وأخرجها كما كانت ، ودفعها إليهم ، وبالجملة فإنه كان آية من آيات الله وأقواله تدلّ على حاله في المحبة ، ومقامه في المعرفة ، وكذا تدل على تفننه في العلوم الظاهرة مثل النحو والبديع والمعاني وغير ذلك ، وعلى إطلاعه على الأخبار السالفة والأمثال السائرة ، حتى كأنما جميع العلوم والمعاني كانت ممثلة بين عينيه يختار منها الذي يريد ، وعلى نظمه قبول عجيب ، وفيه تأثير غريب ، فإنه السهل الممتنع ، يفهمه كل أحد من سهولته وسلاسته ، مع متانة عبارته ويتأثّر به الناس غالبا ويكثر عليه وجد الواجدين ، ويقال له فارضي اليمن ، فهو في رقته يشبه كلام التلمساني وأبن الفارض ، وما أحسن قوله نفع الله به (١) :
|
قالت سعاد وقد رأت دمعي جرى |
|
صدق المحدث فالحديث كما جرى |
|
فدهشت من فرحي وقلت نعم نعم |
|
ما كان حبكم حديثا يفترى |
|
لي في هواكم صرفه وعتيقه |
|
حاشاي من درديه (٢) أن أسكرا |
|
بالله يا حادي النياق لحيهم |
|
فالصّيد كل الصيد في جوف الفرا |
__________________
(١) ديوان السودي : ١٨١ ط دار الفكر.
(٢) النور السافر : وردية. والدردي : الكدر الراسب في أسفله.
