صلىاللهعليهوسلم ليكون إلى فهم الخلق عنه لتلك الصفات العلى أقرب لما لهم به من المجانسة : (قُلْ) أي يا أكرم الخلائق ومن لا يفهم عن مرسله حق الفهم سواه ، وإطلاق الأمر بعدم التقييد بمقول له يفهم عموم الرسالة ، وأن المراد كل من يمكن القول له سواء كان سائلا عن ذلك بالفعل أو بالقوة حثا على استحضار ـ ما لرب هذا الدين ـ الذي حاطه هذه الحياطة ورباه هذه التربية ـ من العظمة والجلال ، والكبرياء والكمال ، ففي الإطلاق المشير إلى التعميم رد على من أقر بإرساله صلىاللهعليهوسلم إلى العرب خاصة ، ويدل على أن مقول القول لا ضرر فيه على أحد فإن ظواهره مفهومة لكل أحد لا فتنة فيها بوجه ، وإنما تأتي الفتنة عند تعمق الضال إلى ما لا ـ يحتمله عقله.
ولما كان أهم المقاصد الرد على المعطلة الذين هم ضرب ممن يقول (نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ) [الجاثية : ٢٤] أثبت وجوده سبحانه على أتم الوجوه وأعلاها وأوفاها وأجلاها بما معناه أن حقيقته ثابتة ثباتا لا يتوجه نحوه شك بوجه من الوجوه ، فقال مكاشفا للأسرار ـ فإنه لا يمكن غيبته عنها أصلا ـ وللوالهين : (هُوَ) فابتدأ بهذا الاسم الشريف الذي هو أبطن الأسماء إشارة إلى أنه غيب الغيب بالنظر إلى ذاته كالألف ، وإلى أنه واجب الوجود لذاته ـ ، وأن هويته ليست مستفادة من شيء سواها ولا موقوفة على شيء سواها ، فإن كل ما كانت هويته مستفادة من غيره أو موقوفة عليه فمتى لم يعتبر غيره فلم يكن هو هو ، وما كانت هويته لذاته فهو هو سواء اعتبر غيره أو لم يعتبر ، فإذا لا يستحق هذا الاسم غيره أصلا على أن الهاء بمفردها مشيرة ـ بكونها من أبطن ـ الحلق إلى أنه هو الأول والباطن المبدع لما سواه ، والواو ـ بكونها من أظهر حروف الشفة ـ إلى أنه الآخر والظاهر ، وأن إليه المنتهى ، وليس وراءه مرمى ، وأنه المبدىء المعيد ـ كما يشير إلى ذلك تكرير الواو في اسمها ، وإلى أنه محيط بكل شيء لما فيها من الإحاطة.
ولما كان وجوده سبحانه لذاته ، ولم يكن مستفادا من غيره ، فإن ما استفيد وجوده من غيره كان ممكنا ، كان لا يمكن شرح اسمه الذي هو هو ، لا اسم لحقيقة غيره يقوم من جنس ولا نوع ولا فصل لأنه لا جنس له ولا نوع له ولا سبب يعرف به ، والذي لا سبب له لا يمكن معرفته إلا بلوازمه ، واللوازم منها سلبية ومنها إضافية ومنها قريبة ومنها بعيدة ، والتعريف بالإضافية وبالقريبة أتم من التعريف بالسلبية وبالبعيدة ، لأن البعيد كالضاحك الذي هو بعد المتعجب بالنسبة إلى الإنسان لا يكون معلولا لشيء بل معلولا لمعلوله ، وبالجمع بين السلبية والإضافية أتم من الاقتصار على أحدهما ، فلذلك اختير اسم جامع للنوعين ليكون التعريف أتم ، وذلك هو كون تلك الهوية إلها ، فاختير لذلك
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
