لكن لم يبلغنا استشعار أحد من الصحابة رضي الله عنهم تعيين الأمر إلا من هذه السورة. وقد عرفت بإشارة براءة وآية المائدة تعريفا شافيا ، واستشعر الناس عام حجة الوداع وعند نزول براءة ذلك لكن لم يستيقنوه وغلبوا رجاءهم في حياته صلىاللهعليهوسلم ، ومنهم من توفي ، فلما نزلت (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) استيقن أبو بكر رضي الله عنه ذلك استيقانا حمله على البكاء لما قرأها رسول الله صلىاللهعليهوسلم ـ انتهى.
ولما عبر عن المعنى بالمجيء ، عبر عن المرئي بالرؤية فقال : (وَرَأَيْتَ) أي بعينيك (النَّاسَ) أي العرب الذين كانوا حقيرين عند جميع الأمم ، فصاروا بك هم الناس ـ كما دلت عليه لام الكمال ، وصار سائر أهل الأرض لهم أتباعا ، وبالنسبة إليهم رعايا ، حال كونهم (يَدْخُلُونَ) شيئا فشيئا متجددا دخولهم مستمرا (فِي دِينِ اللهِ) أي شرع من لم تزل كلمته هي العليا في حال إباء الخلق ـ بقهره لهم على الكفر الذي لا يرضاه لنفسه عاقل ـ ترك الحظوظ ، وفي حال طواعيتهم بقسره لهم على الطاعة ، وعبر عنه بالدين الذي معناه الجزاء لأن العرب كانوا لا يعتقدون القيامة التي لا يتم ظهور الجزاء إلا بها (أَفْواجاً) أي قبائل قبائل وزمرا زمرا وجماعات كثيفة كالقبيلة بأسرها أمة بعد أمة كأهل مكة والطائف وهوازن وهمدان وسائر القبائل من غير قتال في خفة وسرعة ومفاجأة ولين بعد دخولهم واحدا واحدا ونحو ذلك لأنهم قالوا : أما إذا ظفر بأهل الحرم وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل الذين لم يقدر أحد على ردهم فليس لنا بهم يدان. فتبين أن هذا القياس المنتج هذه النتيجة البديهية بقصة أصحاب الفيل ما رتبه الله إلا إرهاصا لنبوته وتأسيسا لدعوته فألقوا بأيديهم ، وأسلموا قيادهم حاضرهم وباديهم.
ولما كان التقدير : فقد سبح الله نفسه بالحمد بإبعاد نجس الشرك عن جزيرة العرب بالفعل ، قال إيذانا بأنه منزه عن النقائص التي منها إخلاف الوعد ، وأن له مع ذلك الجلال والجمال ، معبرا بما يفيد التعجب لزيادة التعظيم للمتعجب منه ليثمر ذلك الإجلال والتعظيم والتذلل والتقبل لجميع الأوامر ، ويفهم أمره تعالى للنبي صلىاللهعليهوسلم بالاشتغال بخاصة نفسه بدنو أجله ، وأن اشتغاله بالناس قد انتهى ، لأن الدين قد كمل فلم يبق له صلىاللهعليهوسلم شغل في دار الكدر : (فَسَبِّحْ) أي نزه أنت بقولك وفعلك بالصلاة وغيرها موافقة لمولاك فيما فعل ، وزد في جميع أنواع العبادة ، تسبيحا متلبسا (بِحَمْدِ) أي بكمال وإجلال وتعظيم (رَبِّكَ) أي الذي أنجز لك الوعد بإكمال الدين وقمع المعتدين ، المحسن إليك بجميع ذلك ، لأنه كله لكرامتك ، وإلا فهو عزيز حميد على كل حال ، تعجبا لتيسير الله من هذا الفتح مما لم يخطر بالبال ، وشكرا لما أنعم به
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
