سائق القدرة ، فتقرب منها شيئا فشيئا ، كانت كأنها آتية إليها ، فلذلك حصل التجوز بالمجيء عن الحصول فقال : (جاءَ) أي استقر وثبت في المستقبل بمجيء وقته المضروب له في الأزل ، وزاد في تعظيمه بالإضافة ثم بكونها اسم الذات فقال : (نَصْرُ اللهِ) أي الملك الأعظم الذي لا مثل له ولا أمر لأحد معه على جميع الناس في كل أمر يريده.
ولما كان للنصر درجات ، وكان قد أشار سبحانه بمطلق الإضافة إليه ثم بكونها إلى الاسم الأعظم إلى أن المراد أعلاها ، صرح به فقال : (وَالْفَتْحُ) أي المطلق الصالح لكل فتح الذي نزلت فيه سورته بالحديبية مبشرة له بغلبة حزبه الذين أنت قائدهم وهاديهم ومرشدهم ، لا سيما على مكة التي بها بيته ومنها ظهر دينه ، وبها كان أصله ، وفيها استقر عموده ، وعز جنوده ، فذل بذلك جميع العرب ، وقالوا : لا طاقة لنا بمن أظفره الله بأهل الحرم ، فعزوا بهذا الذل حتى كان ببعضهم تمام هذا الفتح ، ويكون بهم كلهم فتح جميع البلاد ، وللإشارة إلى الغلبة على جميع الأمم ساقه تعالى في أسلوب الشرط ، ولتحققها عبر عنه ب (إِذا) إعلاما بأنه لا يخلف الوعد ولا ينقص ما قدره وإن توهمت العقول أنه فات وقته ، وإيذانا بأن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء ليحصل لمن علم ذلك الإخلاص والخوف والرجاء ، فأشعرت العبارة بأن الوقت قد قرب ، فكان المعنى : فكن مترقبا لوروده ومستعدا لشكره.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما كمل دينه واتضحت شريعته واستقر أمره صلىاللهعليهوسلم وأدى أمانة رسالته حق أدائها عرف عليه الصلاة والسّلام نفاد عمره وانقضاء أجله ، وجعلت له على ذلك علامة دخول الناس في دين الله جماعات بعد التوقف والتثبط (حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما) تغني (النُّذُرُ) [القمر : ٥] (لَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) [الأنعام : ٣٥] وأمر بالإكثار من الاستغفار المشروع في أعقاب المجالس وفي أطراف النهار وخواتم المآخذ مما عسى أن يتخلل من لغو أو فتور ، فشرع سبحانه وتعالى الاستغفار ليحرز لعباده من حفظ أحوالهم ورعي أوقاتهم ما يفي بعليّ أجورهم كما وعدهم (وَتَمَّتْ) كلمات (رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) [الأنعام : ١١٥] وقد بسطت ما أشارت إليه هذه السورة العظيمة ـ وكل كلام ربنا عظيم ـ فيما قيدته في غير هذا ، وأن أبا بكر رضي الله عنه عرف منها أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم نعيت إليه نفسه الكريمة على ربه وعرف بدنو أجله ، وقد أشار إلى هذا الغرض أيضا بأبعد من الواقع في هذه السورة قوله تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) [المائدة : ٣] وسورة براءة وأفعاله عليه الصلاة والسّلام في حجة الوداع
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
