من غير عكس فقال : (لِلْمُصَلِّينَ) ولما كان الحكم إنما هو على ذات الموضوع من غير اعتبار لوصفه بالفعل علم أن المقصود إنما هو من كان مكلفا بالصلاة لأن من كان متلبسا بها مثل قوله صلىاللهعليهوسلم «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (١) فلذلك وصفهم بقوله : (الَّذِينَ هُمْ) أي بضمائرهم وخالص سرائرهم. ولما كان المراد تضييعهم قال : (عَنْ) دون في (صَلاتِهِمْ) أي هي جديرة بأن تضاف إليهم لوجوبها عليهم وإيجابها لأجل مصالحهم ومنافعهم بالتزكية وغيرها (ساهُونَ) أي عريقون في الغفلة عنها وتضييعها وعدم المبالاة بها وقلة الالتفات إليها ، ويوضح ذلك أن ابن مسعود رضي الله عنه قرأ «لاهون» وفائدة التعبير بالوصف الدلالة على ثبوته لهم ثبوتا يوجب أن لا يذكروها من ذات أنفسهم أصلا ، ولذلك كشفه بما بعده ، روى البغوي أن النبي صلىاللهعليهوسلم سئل عن الآية فقال : «هو إضاعة الوقت» (٢) وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا ويصلونها إذا حضروا مع الناس.
ولما كان من كان بهذه الصفة لا نظر له لغير الحاضر كالبهائم ، قال دالّا على أن المراد بالسهو ههنا تضييعها عند الانفراد بالترك حسا ومعنى وعند الاجتماع بالإفساد في المعنى : (الَّذِينَ هُمْ) أي بجملة سرائرهم (يُراؤُنَ) أي بصلاتهم وغيرها يرون الناس أنهم يفعلون الخير ليراهم الناس فيروهم الثناء عليهم والإحسان إليهم ولو بكف ما هم يستحقونه من السيف عنهم ، لا لرجاء الثواب ولا لمخوف العقاب من الله سبحانه وتعالى ، ولذلك يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس.
ولما كان من كان بهذه الصفة ربما فعل قليل الخير دون جليله رياء ، بين أنهم غلب عليهم الشح حتى أنهم مع كثرة الرياء منهم لم يقدروا على أن يراؤوا بهذا الشيء التافه ، فانسلخوا من جميع خلال المكارم ، فقال إبلاغا في ذمهم إشعارا بأن أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله : (وَيَمْنَعُونَ) أي على تجدد الأوقات ، وحذف المفعول الأول تعمما حتى يشمل كل أحد وإن جل وعظمت منزلته ولطف محله من قلوبهم
__________________
(١) أخرجه أحمد ٦ / ١٥٠ و ٢١٨ وابن أبي شيبة ٢ / ٢٢٩ وأبو داود ٦٤١ والترمذي ٣٧٧ وابن ماجه ٦٥٥ وابن حبان ١٧١١ والبيهقي ٢ / ٢٣٣ والحاكم ١ / ٢٥١ والبغوي ٥٢٧ عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأعلّه الدار قطني رحمهالله تعالى بالوقف والحاكم بالإرسال كما في تلخيص الحبير انظره ١ / ٢٧٩.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع ٧ / ٣٠٠ قال الهيثمي : عكرمة بن إبراهيم ضعيف جدا ا ه وأخرجه البزار وأبو يعلى مرفوعا وموقوفا كما في المجمع ٢ / ٨٠ قال الهيثمي : قال البزار رواه الحفّاظ موقوفا ولم يرفعه غيره ا ه. يقصد عكرمة راوي الحديث وأخرجه الطبري في التفسير ٣٠ / ٣١١ والبيهقي في السنن ٢ / ٢١٤ وذلك كله عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال البيهقي : هذا الحديث إنما يصح موقوفا.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
