ولما كان المراد بهذا الجنس ، وكان من المكذبين من يخفي تكذيبه ، عرفهم بأمارات تنشأ من عمود الكفر الذي صدر به ويتفرع منه تفضحهم ، وتدل عليهم وإن اجتهدوا في الإخفاء وتوضحهم ، فقال مسببا عن التكذيب ما هو دال عليه : (فَذلِكَ) أي البغيض البعيد من كل خير (الَّذِي يَدُعُ) أي يدفع دفعا عنيفا بغاية القسوة (الْيَتِيمَ) ويظلمه ولا يحث على إكرامه لأن الله تعالى نزع الرحمة من قلبه ، ولا ينزعها إلا من شقي لأنه لا حامل على الإحسان إليه إلا الخوف من الله سبحانه وتعالى ، فكان التكذيب بجزائه سببا للغلظة عليه.
ولما كانت رحمة الضعفاء علامة على الخير ، ولذلك قال النبي صلىاللهعليهوسلم «اللهم إني أسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحب المساكين» (١) كانت القسوة عليهم علامة على الشر ، وكان من بخل باللين في قاله أشد بخلا بالبذل من ماله ، قال معرفا لأن المكذب ينزله تكذيبه إلى أسفل الدركات ، وأسوإ الصفات الحامل على شر الحركات : (وَلا يَحُضُ) أي يحث نفسه وأهله ولا غيرهم حثا عظيما يحمى فيبعث على المراد (عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ) أي بذله له وإطعامه إياه بل يمقته ولا يكرمه ولا يرحمه ، وتعبيره عن الإطعام ـ الذي هو المقصود ـ بالطعام الذي هو الأصل وإضافته المسكين للدلالة على أنه يشارك الغني في ماله بقدر ما فرض الله من كفايته ، وقد تضمن هذا أن علامة التكذيب بالبعث ـ إيذاء الضعيف والتهاون بالمعروف ، والآية من الاحتباك : الدع في الأول يدل على المقت في الثاني ، والحض في الثاني يدل على مثله في الأول.
ولما كان هذا حاله مع الخلائق ، أتبعه حاله مع الخالق إعلاما بأن كلّا منهما دالّ على خراب القلب وموجب لمقت الرب ، وأعظم الإهانة والكرب ، وأن المعاصي شؤم مهلك ، تنفيرا عنها وتحذيرا منها ، فسبب عنه قوله معبرا بأعظم ما يدل على الإهانة : (فَوَيْلٌ) ولما كان الأصل : له ـ بالإضمار والإفراد ، وكان المراد ب «الذي» الجنس الصالح للواحد وما فوقه. وكان من يستهين بالضعيف لضعفه يعرض عما لا يراه ولا يحسه لغيبته ، وكان من أضاع الصلاة كان لما سواها أضيع ، وكان من باشرها ربما ظن النجاة ولو كانت مباشرته لها على وجه الرياء أو غيره من الأمور المحيطة للعمل ، عبر بالوصف تعميما وتعليقا للحكم به وشقه من الصلاة تحذيرا من الغرور ، وإشارة إلى أن الذي أثمر له تلك الخساسة هو ما تقدم من الجري مع الطبع الرديء ، وأتى بصيغة الجمع تنبيها على أن الكثرة ليست لها عنده عزة لأن إهانة الجمع مستلزمة لإهانة الأفراد
__________________
(١) تقدم في حديث طويل.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
