(أَلَمْ يَجْعَلْ) أي بما له من الإحسان إلى العرب لا سيما قريش (كَيْدَهُمْ) أي في تعطيل الكعبة بتخريبها وبصرف الحج إلى كنيستهم على زعمهم وقد كان كيدهم عظيما غلبوا به من ناوأهم من العرب (فِي تَضْلِيلٍ) أي مظروفا لتضييع عما قصدوا له من نسخ الحج إلى الكعبة أولا ومن هدمها ثانيا وإبطال وبعد عن السداد وإهمال بحيث صار بكونه مظروفا لذلك معمورا به لا مخلص له منه ، وهذا مشير إلى أن كل من تعرض لشيء من حرمات الله كبيت من بيوته أو ولي من أوليائه أو عالم من علماء الدين وإن كان مقصرا نوع تقصير وقع في مكره ، وعاد عليه وبال شره «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» (١) وإلى أن من جاهر بالمعصية أسرع إليه الهلاك بخلاف من تستر ، وإلى أن الله تعالى يأتي من يريد عذابه من حيث لا يحتسب ليدوم الحذر منه ولا يؤمن مكره ولو كان الخصم أقل عباده ، لم يخطر للحبشة ما وقع لهم أصلا ولا خطر لأحد سواهم أن طيورا تقتل جيشا دوّخ الأبطال ودانت له غلب الرجال ، يقوده ملك جبار كتيبته في السهل تمشي ورجله على القاذفات في رؤوس المناقب.
ولما كان التقدير : فمنعهم من الدخول إلى حرم إبراهيم عليه الصلاة والسّلام فضلا عن الوصول إلى بلده الرسول صلىاللهعليهوسلم ، عطف عليه أو على «يجعل» معبرا بالماضي لأنه بمعناه وهو أصرح والتعبير به أقعد قوله ؛ (وَأَرْسَلَ) وبين أنه إرسال عذاب بقوله : (عَلَيْهِمْ) أي خاصة من بين من كان هناك من كفار العرب ، وأشار إلى تحقيرهم وتخسيسهم عن أن يعذبهم بشيء عظيم لكونهم عظموا أنفسهم وتجبروا على خالقهم بالقصد القبيح لبيته فقال تعالى معلما بأنه سلط عليهم ما لا يقتل مثله في العادة : (طَيْراً) وهو اسم جمع يذكر على اللفظ ، ويؤنث على المعنى ، وقد يقع على الواحد ، ولذلك قال مبينا الكثرة (أَبابِيلَ) أي جماعات كثيرة جدا متفرقة يتبع بعضها بعضا من نواحي شتى فوجا فوجا وزمرة زمرة ، أمام كل فرقة منها طير يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق ، قال أبو عبيدة : يقال : جاءت الخيل أبابيل من هاهنا وهاهنا ، وهو جمع إبالة بالكسر والتشديد وهي الحزمة الكبيرة ـ شبهت بها الجماعة من الطير في تضامّها ، وفي أمثالهم : ضغث على إبالة ، أي بلية على أخرى.
ولما تشوف السامع إلى فعل الطير بهم ، قال مستأنفا : (تَرْمِيهِمْ) أي الطير (بِحِجارَةٍ) أي عظيمة في الكثرة والفعل ، صغيرة في المقدار والحجم ، كان كل واحد ـ منها في نحو مقدار العدسة ، في منقار كل طائر منها واحد وفي كل رجل واحد.
__________________
(١) أخرجه البخاري ٦٥٠٢ من حديث أبي هريرة بأتم منه.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
