شَرًّا) أي من جهة الشر (يَرَهُ) فما فوقه ، فالمؤمن يراه ويعلم أنه قد غفر له ليشتد فرحه ، والكافر يراه فيشتد حزنه وترحه ، والذرة النملة الصغيرة أو الهباءة التي ترى طائرة في الشعاع الداخل من الكوة ، وقد رجع آخرها على أولها بتحديث الأخبار وإظهار الأسرار ، وقد ورد في حديث الأعرابي أن هذه السورة جامعة لهذه الآية الأخيرة ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : إنها أحكم آية في القرآن ، وكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يسميها الفاذة الجامعة ، ومن فقه ذلك لم يحقر ذنبا وإن دق لأنه يجتمع إلى أمثاله فيصير كبيرا كما قال صلىاللهعليهوسلم لعائشة رضي الله عنها : «إياك ومحقرات الذنوب ، فإن لها من الله طالبا» (١) وروي كما ذكرته في كتابي «مصاعد النظر في الإشراف على مقاصد السور» في حديث «إنها تعدل نصف القرآن» (٢) وفي حديث آخر أنها تعدل ربع القرآن (٣) ، ولا تعارض ، فالأول نظر إليها من جهة أن الأحكام تنقسم إلى أحكام الدنيا وأحكام الآخرة ، وهذه السورة اشتملت على أحكام الآخرة إجمالا ، وزادت على القارعة بإخراج الأثقال وأن كل أحد يرى كل ما عمل ، والثاني نظر إليها باعتبار ما تضمنه الحديث الذي رواه الترمذي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع : يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق ، ويؤمن بالموت ، ويؤمن بالبعث بعد الموت ، ويؤمن بالقدر» (٤) فاقتضى هذا الحديث أن الإيمان بالبعث الذي قررته هذه السورة ربع الإيمان الكامل الذي دل عليه القرآن ، وأيضا فأمر الدين أربعة أجزاء : أمر المعبود ، وأمر العبيد ، وأمر العبادة ، وأمر الجزاء ، فهذه السورة تكفلت بأمر الجزاء ، وسورة الكافرون ربع لأنها في أمر العبادة على وجه الخصوص والخفاء وإن كانت على وجه التمام والوفاء ، وسورة النصر ربع لأنها لأمر العبادة على وجه العموم والجلاء والظهور والعلاء ـ والله الهادي للصواب وإليه المآب.
__________________
(١) أخرجه أحمد ٣٨٠٨ والطبراني في الكبير ١٠٥٠٠ والأوسط (مجمع البحرين ٥٠٢) عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وفيه أبو عياض مجهول. وأخرجه أبو يعلى أيضا ٥١٢٢ عن عبد الله. قال الهيثمي : فيه إبراهيم الهجري ضعيف ا ه. مجمع ١٠ / ٣٠٩ وأخرجه أحمد ٥ / ٣٣١ والطبراني في الكبير ٥٨٧٢ والصغير ٢ / ٤٩ والبيهقي في الشعب ٢ / ٣٨٤ / ١ والروياني في مسنده ٢٩ / ١٩٧ ـ ١٩٨ قال في المجمع ١٠ / ٣١٠ : رجاله رجال الصحيح ا ه. وقد حسّنه الشيخ ناصر كما نقل تلميذه السلفي.
(٢) أخرجه الترمذي ٢٨٩٣ عن أنس رضي الله تعالى عنه وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث هذا الشيخ الحسن بن سلم ا ه. قلت : وهو مجهول وأخرجه أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما برقم ٢٨٩٤ وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة ا ه. ذلك لأنه ضعيف.
(٣) أخرجه أحمد ١٢٠٧٩ والترمذي ٢٨٩٥ عن سلمة بن وردان عن أنس مرفوعا وسلمة هذا ضعيف.
(٤) أخرجه الترمذي ٢١٤٥ وابن ماجه ٨١ والحاكم ١ / ٣٢ ـ ٣٣ وابن حبان ١٧٨ والطيالسي ١٠٦ وأحمد ١ / ٩٧ والبغوي ٦٦ عن علي رضي الله تعالى عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
