ولما طال الكلام وأريد التهويل ، أبدل من «إذا» قوله معرفا للإنسان ما سأل عنه : (يَوْمَئِذٍ) أي إذ كان ما ذكر من الزلزال وما لزم عنه ونصبه وكذا ما أبدل منه بقوله : (تُحَدِّثُ) أي الأرض بلسان الحال بإخراج ما في بطنها من الموتى والكنوز وغيرها على وجه يعلم الإنسان به لم زلزلت ولم أخرجت ، وأن الإنذار بذلك كان حقا ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : تحدث بلسان المقال. (أَخْبارَها) أي التي زلزلت وأخرجت ما أخرجت لأجلها ، وكل شيء عمل عليها شهادة منها على العاملين فتقول : عمل فلان كذا وكذا ـ تعدد حتى يود المجرم أنه يساق إلى النار لينقطع عنه تعداد ذلك الذي يلزم منه العار ، وتشهد للمؤمن بما عمل حتى يسره ذلك ، فيشهد للمؤذن كل ما امتد إليه صوته من رطب ويابس.
ولما كان من المقرر أنه لا يكون شيء إلا بإذنه تعالى ، وكان قد بنى الأفعال لما لم يسم فاعله ، فكان الجاهل ربما خفي عليه فاعل ذلك قال : (بِأَنَ) أي تحدث بسبب أن (رَبَّكَ) أي المحسن إليك بإحقاق الحق وإزهاق الباطل لإعلاء شأنك (أَوْحى) وعدل عن حرف النهاية إيذانا بالإسراع في الإيحاء فقال : (لَها) أي بالإذن في التحديث المذكور بالحال أو المقال.
ولما أخبر تعالى بإخراج الأثقال التي منها الأموات ، اشتد التشوف إلى هيئة ذلك الإخراج وما يتأثر عنه ، فقال مكررا ذكر اليوم زيادة في التهويل : (يَوْمَئِذٍ) أي إذ كان ما تقدم وهو حين يقوم الناس من القبور (يَصْدُرُ) أي يرجع رجوعا هو في غاية السرعة والاهتداء إلى الموضع الذي ينادون منه لا يغلط أحد منهم فيه ولا يضل عنه (النَّاسُ) من قبورهم إلى ربهم الذي كان لهم بالمرصاد ليفصل بينهم (أَشْتاتاً) أي متفرقين بحسب مراتبهم في الذوات والأحوال من مؤمن وكافر ، وآمن وخائف ، ومطيع وعاص.
ولما ذكر ذلك ، أتبعه علته فقال بانيا للمفعول على طريقة كلام القادرين : (لِيُرَوْا) أي يرى الله المحسن منهم والمسيء بواسطة من يشاء من جنوده أو بغير واسطة حين يكلم سبحانه وتعالى كل أحد من غير ترجمان ولا واسطة كما أخبر بذلك رسوله صلىاللهعليهوسلم (أَعْمالَهُمْ) فيعلموا جزاءها أو صادرين عن الموقف كل إلى داره ليرى جزاء عمله ، ثم سبب عن ذلك قوله مفصلا الجملة التي قبله : (فَمَنْ يَعْمَلْ) من محسن أو مسيء مسلم أو كافر (مِثْقالَ) أي مقدار وزن (ذَرَّةٍ خَيْراً) أي من جهة الخير (يَرَهُ) أي حاضرا لا يغيب عنه شيء منه لأن المحاسب له الإحاطة علما وقدرة ، فالكافر يوقف على أنه جوزي به في الدنيا أو أنه أحبط لبنائه على غير أساس الإيمان ، فهو صورة بلا معنى ليشتد ندمه ويقوى حزنه وأسفه ، والمؤمن يراه ليشتد سروره به.
ولما ذكر الخير ، أتبعه ضده فقال : (وَمَنْ يَعْمَلْ) أي كائنا من كان (مِثْقالَ ذَرَّةٍ
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
