فلم يبق في حق هؤلاء ذلك الإبهام ، ولا كدر خواطرهم بتكاثف ذلك الإظلام ، بما منحهم سبحانه وتعالى من نعمة الإحسان بما وعدهم في قوله : (يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) [الأنفال : ٢٩] و (يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ) [الحديد : ٢٨] (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) [الأنعام : ١٢٢] فعمل هؤلاء على بصيرة ، واستولوا اجتهادا بتوفيق ربهم على أعمال جليلة خطيرة ، فقطعوا عن الدنيا الآمال ، وتأهبوا لآخرتهم بأوضح الأعمال (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ) [السجدة : ١٦] (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة : ١٧] فلابتداء الأمر وشدة الإبهام والإظلام أشار قوله سبحانه وتعالى : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى) ولما يؤول إليه الحال في حق من كتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه أشار قوله سبحانه وتعالى : (وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى) ولانحصار السبل وإن تشعبت في طريقي (فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) [التغابن : ٢] (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [الشورى : ٧] أشار قوله سبحانه وتعالى : (وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) [الليل : ٣] (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) [الذاريات : ٤٩] (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ) [الذاريات : ٥٠] الواحد مطلقا ، فقد وضح لك إن شاء الله بعض ما يسر من تخصيص هذا القسم ـ والله أعلم ، أما سورة الضحى فلا إشكال في مناسبة في استفتاح القسم بالضحى لما يسره به سبحانه لا سيما إذا اعتبر ما ذكر من سبب نزول السورة ، وأنه صلىاللهعليهوسلم كان قد فتر عنه الوحي حتى قال بعض الكفار : قلى محمدا ربه ، فنزلت السورة مشعرة عن هذه النعمة والبشارة ـ انتهى.
ولما ذكر حاله في الدنيا بأنه لا يزال يواصله بالوحي والكرامة ، ومنه ما هو مفتوح على أمته من بعده ، روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : «أريت ما هو مفتوح على أمتي من بعدي كفرا كفرا فسرني ذلك» (١) فلما كان ذلك وكان ذكره على وجه شمل الدارين صرح بالآخرة التي هي أعلى وأجل ، ولأدنى من يدخلها فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فكيف بما له صلىاللهعليهوسلم ، فقال مؤكدا لذلك كما أكد الأول بالقسم بما لهم فيه من الإنكار : (وَلَلْآخِرَةُ) أي التي هي المقصود من الوجود بالذات لأنها باقية خالصة عن شوائب الكدر أو الحالة المتأخرة لك
__________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ١٠٦٥٠ والأوسط ٥٧٦ وأبو نعيم في الحلية ٣ / ٢١٢ من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال الهيثمي في المجمع ٧ / ٢٩٢ ـ ٢٩٣ : رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه معاوية بن أبي العباس لم أعرفه وإسناد الكبير حسن ا ه. ولم أجده من حديث أنس رضي الله تعالى عنه وقوله صلىاللهعليهوسلم : «كفرا» بفتح الكاف وسكون الفاء ـ يعني ـ القرية.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
