الاختصاص فقال : (هُوَ) أي وحده (يُبْدِئُ) أي يوجد ابتداء أي خلق أراد على أي هيئة أراد (وَيُعِيدُ) أي ذلك المخلوق بعد إفنائه في أي وقت أراده ، وغيره لا يقدر على شيء من ذلك ، وليس هذا الضمير بفصل لأنه لا يكون إلا والخبر لا يكون إلا معرفة ، أو شبيه بها في أنه لا يلحقه «أل» المعرفة مثل خير منك ، وأجاز المازني وقوعه قبل المضارع لمشابهته الاسم وامتناع دخول «أل» عليه فأشبه المعرفة ، وقال : ولا يكون قبل الماضي لأن الماضي لا يشبه الاسم ، قال الرضي : وما قاله دعوى بلا حجة ومثل «ومكر أولئك هو يبور» ليس بنص في كونه فصلا لجواز كونه مبتدأ ما بعده خبره ، ونقض قوله في الماضي بقوله تعالى : (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى) [النجم : ٤٣].
ولما ذكر سبحانه بطشه ، وكان القادر على العنف قد لا يقدر على اللطف ، وإن قدر فربما لم يقدر على الإبلاغ في ذلك ، وكان لا يقدر على محو الذنوب أعيانها وآثارها عن كل أحد بحيث لا يحصل لصاحبها عقاب ولا عتاب من أحد أصلا إلا من كان قادرا على كل شيء ، قال مبينا لجميع ذلك دليلا على أنه الفاعل المختار ، ومؤكدا لخروجه عن العوائد : (وَهُوَ) أي وحده (الْغَفُورُ) أي المحاء لأعيان الذنوب وآثارها إذا أراد بحيث لا يحصل لمن محا ذنبه كدر من جهة ذلك الذنب أصلا (الْوَدُودُ) أي الذي يفعل بمن أراد فعل المحب الكثير المحبة فيجيبه إلى ما شاء ويلقي على صاحب الذنب الذي محاه عنه ودا أي محبة كبيرة واسعة ويجعل له في قلوب الخلق رحمة ، ومادة «ود» تدور على الاتساع كما بينته في سورة الروم ، وزاد الأمر تأكيدا بذكر ما لا ينازع أصلا في اختصاصه به تشريفا له وتنبيها على أنه أعظم المخلوقات : (ذُو الْعَرْشِ) أي العز الأعظم أو السرير الدال على اختصاص الملك بالملك وانفراده بالتدبير والسيادة والسياسة ، الذي به قوام الأمور (الْمَجِيدُ) أي الشريف الكريم العظيم في ذاته وصفاته الحسن الجميل الرفيع العالي الكثير العطاء ـ هذا إذا رفع على أنه صفة ل «ذو» وكذا إن جر على أنه صفة للعرش في قراءة حمزة والكسائي.
ولما كان الاختصاص يدل قطعا على كمال القدرة ، أنتج ذكر هذه الاختصاصات قوله : (فَعَّالٌ) أي على سبيل التكرار والمبالغة (لِما يُرِيدُ) لا يؤده شيء من الأفعال سواء كانت منسوبة إليه من غير واسطة أو نسبت في الظاهر إلى غيره. ولما تمت الدلالة على أن بطشه شديد ، قرره بما وجد من ذلك وذكره به تخويفا لقومه وتسلية له لأن النظر في المحسوسات أمكن في النفوس فقال : (هَلْ أَتاكَ) أي يا أعظم خلقنا (حَدِيثُ الْجُنُودِ) أي اذكر ما أتاك مما حدث لهم من بطشنا وما وقع بهم من سطواتنا لتكذيبهم رسلنا عليهم أفضل الصلاة والسّلام بحيث صار حديثا يتلى ، وذكرا بين الخلق
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
