دعا إليه هذا الكتاب الذي خصهم بهم ملك الملوك وقد وضحت الدلائل وقامت البراهين لا سيما دلائل القيامة هل هي إلا واحدة من هذه الأطباق المنتقل إليها لأن من كان اليوم على حالة وغدا على أخرى جدير بأن يعلم أن تدبيره إلى سواه ، ومن لم يعلم ذلك فليس لجنونه دواء ، ومن علم أن تدبيره إلى سواه علم أن المشيئة في التدبير ـ إليه لا إلى نفسه ، وقيل لأبي بكر الوراق : ما الدليل على الصانع؟ قال : تحويل الحالات وعجز القوة وضعف الأركان وقهر المشيئة ، وفسخ العزيمة. (وَإِذا قُرِئَ) أي من أيّ قارىء كان (عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ) أي الجامع لكل ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم الفارق بين كل ملتبس من الحرام والحلال وغير ذلك (لا يَسْجُدُونَ) أي يخضعون بالقلب ويتذللون للحق بالسجود اللغوي فيسجدون بالقالب السجود الشرعي لتلاوته لأنه ملك الكلام ، قد أبان عن معارف لا تحصر ، مع الشهادة لنفسه بإعجازه أنه من عند الله ، ليس لهم في ذلك عذر إلا الجهل أو العجز ، ولا جهل مع القرآن ولا عجز مع القوة والاختيار.
ولما كان هذا استفهاما إنكاريا معناه النفي ، فكان التقدير : إنهم لا يؤمنون ولا عذر لهم في ذلك أصلا ، أضرب عنه بقوله : (بَلِ) ووضع الظاهر موضع المضمر تعميما وتنبيها على الوصف الذي حملهم على التكذيب فقال : (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا مرائي عقولهم الدالة على الحق (يُكَذِّبُونَ) أي بالقرآن وبما دل عليه من حقائق العرفان المعلية إلى أوج الإيمان بالواحد الديان (وَاللهُ) أي والحال أن الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما (أَعْلَمُ) أي منهم أنفسهم (بِما يُوعُونَ) أي يضعون في أوعية صدورهم من الكفر والعداوة بسبب الشهوات الشاغلة لهم وهي حب الرئاسة وادعاء الألوهية الشاغلة لهم عن التدبر لهذا القرآن وعن شواهد الموجودات.
ولما كان هذا موجبا لشديد الإنذار ، وضع موضعه تهكما بهم وإعلاما بأن الغضب قد بلغ منتهاه قوله : (فَبَشِّرْهُمْ) أي أخبرهم يا أفضل الخلق وأكملهم وأعدلهم خبرا يغير إبشارهم (بِعَذابٍ أَلِيمٍ) أي شديد الألم لشدة إيلامه ، إن كان لهم يوما من الأيام بشارة فهي هذه.
ولما أخبر عنهم بهذا الهوان ، وكان قد عبر عنهم بأدنى الأسنان إشارة إلى أن منهم من يقبل الإيمان ، استثنى منهم فقال : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان (وَعَمِلُوا) دلالة على صدق إيمانهم (الصَّالِحاتِ).
ولما تقدم أن من حوسب عذب ، وأن الناجي إنما يكون حسابه عرضا ، علم أنه ليس للأعمال دخل في الحقيقة في الأجر ، وإنما المدار كما قال النبي صلىاللهعليهوسلم على التغمد
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
