ولما كان المتمكن في نفسه قد لا يكون له أعوان ، قال : (مُطاعٍ ثَمَ) أي في الملأ الأعلى فهم عليهمالسلام أطوع شيء له ، قال الحسن : فرض الله على أهل السماوات طاعة جبريل عليه الصلاة والسّلام كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد صلىاللهعليهوسلم. ولما كان ذلك يقتضي الأمانة ، صرح بها فقال : (أَمِينٍ) أي بليغ الأمانة فهو مصدق القول مقبول الأمر موثوق به في أمر الرسالة وإفاضة العلوم على القلوب روحاني مطهر جوهرا وفعلا وحالا ، ومن كان بهذه الصفات العظيمة كان بحيث لا يأتي إلّا في أمر مهم جدا لأن الملوك لا يرسلون خواصهم إلا في مثل ذلك ، ولذلك ائتمنه الله تعالى على رسالته.
ولما وصفه السفير الملكي وهو جبريل عليه الصلاة والسّلام بهذه الصفات الخمس التي أزالت عن القرآن كل لبس ، وكان وصفه بها إنما هو لأجل إثبات شرف الرسول البشري الذي هو بين الحق وعامة الخلق ، وهو النبي صلىاللهعليهوسلم بأن ما يقوله كلام الله حقا ، وكانوا يصفونه بما هو في غاية النزاهة عنه وهم يعلمون ذلك ، أبطله مبكتا لهم بالكذب وموبخا بالبلادة بقوله زيادة في شرفه حيث كان هو المدافع عنه : (وَما صاحِبُكُمْ) أي الذي طالت صحبته لكم وأنتم تعلمون أنه في غاية الكمال حتى أنه ليس له وصف عندكم إلا الأمين ، وأعرق في النفي فقال : (بِمَجْنُونٍ) أي كما تبهتونه به من غير استحياء من الكذب الظاهر مع ظهور التناقض فعل ألأم اللئام ، بل جاء بالحق وصدق المرسلين ، فما القرآن الذي يتلوه عليكم قول مجنون ولا قول متوسط في العقل بل قول أعقل العقلاء وأكمل الكملاء ، وهذا النفي المؤكد ثابت له دائما على سبيل الاستغراق لكل زمان ـ هذا ما دل عليه الكلام لا ما قال الزمخشري أنه يدل على أفضلية جبريل عليهالسلام على النبي صلىاللهعليهوسلم وعلى بقية الملائكة ، فإنه ما سيق لذلك ولا هو والله مما يرضي جبريل عليهالسلام ، قال الأصبهاني هنا : هذا يدل على فضله وأما أنه يدل على أنه أفضل من جميع الملائكة ومن محمد صلىاللهعليهوسلم فلا يمكنه ، وقال في قوله تعالى في البقرة : (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ) [البقرة : ٢٨٥] : ولم يلزم من تقديم الملائكة في الذكر تفضيلهم على الرسل ، وأما تقديم جبريل على ميكائيل فليس ببعيد أن يكون للشرف كما أن تخصيصهما بالذكر لفضلهما ، وقال في النجم : ثم دنا جبريل من ربه عزوجل ، وهذا قول مجاهد يدل عليه ما روي في الحديث : «إن أقرب الملائكة إلى الله عزوجل جبريل عليهالسلام» (١) ـ انتهى. ولو صح هذا الحديث لكان فيه كفاية لكن لم أجده
__________________
(١) ذكره العلامة البقاعي نقلا عن الأصبهاني ثم قال البقاعي : لم أجد له أصلا ا ه.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
