أصلا ، وقال الأصبهاني في عم في قوله : (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ) [النبأ : ٣٨] عن ابن عباس رضي الله عنهما : هو أعظم الملائكة خلقا وأشرف منهم ، وأقرب من رب العالمين ـ انتهى. فهذا كما ترى صريح في تفضيل الروح ، وقال السهيلي في غزوة بدر في كتابه الروض : ونزل جبريل عليهالسلام بألف من الملائكة فكان في خمسمائة في الميمنة ، وميكائيل عليهالسلام في خمسمائة في الميسرة ، ووراءهم مدد من الملائكة لم يقاتلوا وهم الآلاف المذكورون في سورة آل عمران ، وكان إسرافيل عليهالسلام وسط الصف لا يقاتل كما يقاتل غيره من الملائكة عليهم الصلاة والسّلام ـ انتهى. وهذا يدل على شرف إسرافيل عليهالسلام لأن موقفه موقف رئيس القوم وفعله فعله ـ والله أعلم.
ولما كان المجنون لا يثبت ما يسمعه ولا ما يبصره حق الإثبات ، فكان التقدير بعد هذا النفي : فلقد سمع من رسولنا إليه ما أرسل به حق السمع ، ما التبس عليه فيه حق بباطل ، عطف عليه الإخبار برفعة شأنه في رؤية ما لم يره غيره وأمانته وجوده فقال : (وَلَقَدْ رَآهُ) أي المرسل إليه وهو جبريل عليه الصلاة والسّلام على صورته الحقيقية ليلة المعراج وبعرفات ، جامعا إلى حس السمع حس البصر (بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) أي الأعلى الذي هو عند سدرة المنتهى ، حيث لا يكون لبس أصلا ، ولا يكون لشيطان على ذلك المكان سبيل فعرفه حق المعرفة ، وقال البيضاوي : بمطلع الشمس الأعلى ـ يعني وهو مشرق الأنوار ، والأفق : الناحية التي تفوق وتعلو.
ولما انتفى ما يظن من لبس السمع وزيغ البصر ، لم يبق إلا ما يتعلق بالتأدية فنفى ما يتوهم من ذلك بقوله : (وَما) أي سمعه ورآه والحال أنه ما (هُوَ عَلَى الْغَيْبِ) أي الأمر الغائب عنكم في النقل عنه ولا في غيره من باب الأولى (بِضَنِينٍ) أي بمتهم ، من الظنة وهي التهمة ، كما يتهم الكاهن لأنه يخطىء في بعض ما يقول ، فهو حقيق بأن يوثق بكل بشيء يقوله في كل أحواله ، هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب بالظاء ، والمعنى في قراءة الباقين بالضاد : ببخيل كما يبخل الكاهن رغبة في الحلوان ، بل هو حريص على أن يكون كل من أمته عالما بكل ما أمره الله تعالى بتبليغه.
ولما أثبت له الأمانة والجود بعد أن نفى عنه ما بهتوه به ، وكان الجنون أظهر من قول المجنون لأن بعض المجانين ربما تكلم الكلام المنتظم في بعض الأوقات فنفاه لذلك ، وكان قول الكاهن أظهر من الكهانة ، نفى القول فقال : (وَما هُوَ) أي القرآن الذي من جملة معجزاته الإخبار بالمغيبات ، وأعرق في النفي بالتأكيد بالباء فقال : (بِقَوْلِ شَيْطانٍ.) ولما كان الشيطان لا ينفك عن الطرد لأن اشتقاقه من شطن وشاط ،
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
