قلة المسافة (مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) في بعض الليالي (وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) أي وأدنى من كل منهما في بعض الليالي ـ هذا على قراءة الجماعة ، والمعنى على قراءة ابن كثير والكوفيين بالنصب تعيين النصف والثلث الداخل تحت الأدنى من الثلثين ، وهو على القراءتين مطابق لما وقع التخيير فيه في أول السورة بين قيام النصف بتمامه أو الناقص منه وهو الثلث أو الزائد عليه وهو الثلثان ، أو الأقل من الأقل من النصف وهو الربع.
ولما ذكر سبحانه قيامه صلىاللهعليهوسلم ، أتبعه قيام أتباعه ، فقال عاطفا على الضمير المستكن في تقوم وحسنه الفصل : (وَطائِفَةٌ) أي ويقوم كذلك جماعة فيها أهلية التحلق بإقبالهم عليك وإقبال بعضهم على بعض. ولما كانت العادة أن الصاحب ربما أطلق على من مع الإنسان بقوله دون قلبه عدل إلى قوله : (مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) أي بأقوالهم وأفعالهم ، أي على الإسلام ، وكأنه اختار هذا دون أن يقول من المسلمين لأنه يفهم أن طائفة لم تقم بهذا القيام فلم يرد أن يسميهم مسلمين ، والمعية أعم.
ولما كان القيام ـ على هذا التفاوت مع الاجتهاد في السبق في العبادة دالا على عدم العلم بالمقادير على ما هي عليه قال تعالى : (وَاللهُ) أي تقومون هكذا لعدم علمكم بمقادير الساعات على التحرير والحال أن الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما وحده (يُقَدِّرُ) أي تقديرا عظيما هو في غاية التحرير (اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) فيعلم كل دقيقة منهما على ما هي عليه لأنه خالقهما ولا يوجد شيء منهما إلا به (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) [الملك : ١٤].
ولما علم من هذا المشقة عليهم في قيام الليل على هذا الوجه علما وعملا ، ترجم ذلك بقوله : (عَلِمَ) أي الله سبحانه (أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) أي تطيقوا التقدير علما وعملا ، ومنه قوله صلىاللهعليهوسلم «استقيموا ولن تحصوا» (فَتابَ) أي فتسبب عن هذا العلم أنه سبحانه رجع بالنسخ عما كان أوجب (عَلَيْكُمْ) بالترخيص لكم في ترك القيام المقدر أول السورة ، أي رفع التبعة عنكم في ترك القيام على ذلك التقدير الذي قدره كما رفع عن التائب ، وكأنه سماه توبة وإن لم يكن ثم معصية إشارة إلى أنه من شأنه لثقله أن يجر إلى المعصية.
ولما رفعه سبب عنه أمرهم بما يسهل عليهم فقال معبرا عن الصلاة بالقراءة لأنها أعظم أركانها إشارة إلى أن التهجد مستحب لا واجب : (فَاقْرَؤُا) أي في الصلاة أو غيرها في الليل والنهار (ما تَيَسَّرَ) أي سهل وهان إلى الغاية عليكم ولان وانقاد لكم (مِنَ الْقُرْآنِ) أي الكتاب الجامع لجميع ما ينفعكم ، قال القشيري : يقال : من خمس آيات إلى ما زاد ، ويقال : من عشر آيات إلى ما يزيد ، قال البغوي : قال قيس بن أبي
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
