ولما كان أكثر الأنبياء من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسّلام زاد في تعظيمه بقوله : (وَآلَ إِبْراهِيمَ) أي الذين أوجد فيهم الخوارق ولا سيما في إخراج الولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لمثلهما ، وفي ذلك إشارة إلى أن عيسى عليه الصلاة والسّلام مثلهم لأنه أحدهم ، وكذا قوله : (وَآلَ عِمْرانَ) في قوله : (عَلَى الْعالَمِينَ) إشارة إلى أنه كسائر أقاربه منهم ، وأفصح بذلك إفصاحا جليا في قوله : (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) أي فهم كلهم من بني آدم ، لا مزية لبعضهم على بعض في ذلك ، لا مزية في شيء من ذلك ، وأنتم لا تشكون فيه في شيء من الخصائص مما دون أمد عيسى عليه الصلاة والسّلام ، فما لكم لما خص سبحانه وتعالى آل عمران من بين العالمين بخرق العادة فيهم بإخراج ولد من أنثى فقط من غير ذكر لم تردوا ما لم تعرفوا منه إلى ما تعرفون من الخوارق حتى انجلى لكم واتضح لديكم؟ بل أشكل عليكم وقامت فيكم قيامتكم بما يفضي إلى الشك في قدرة الإله الذي لا تشكون أن من شك في تمام قدرته كفر.
وقال الحرالي : فإثبات هذه الجملة بتشابه وتماثل تتعالى عن نحوه الإلهية ، فأبان هذا الخطاب في عيسى عليه الصلاة والسّلام اصطفاء من جملة هذا الاصطفاء ، فكما لم يقع فيمن سواه لبس من أمر الإلهية فكذلك ينبغي أن لا يقع فيه هو أيضا لبس لمن يتلقن بيان الإحكام والتشابه من الذي أنزل الكتاب محكما ومتشابها وأظهر الخلق باديا وملتبسا ـ انتهى. وقد عاد سبحانه وتعالى بهذا الخطاب على أحسن وجه إلى قصة عيسى عليه الصلاة والسّلام الذي نزلت هذه الآيات كلها في المجادلة في أمره والإخبار عن حمله وولادته وغير ذلك من صفاته التي يتنزه الإله عنها ، وكراماته التي لا تكون إلا للقرب ، فأخبر أولا عن حال أمه وأمها وأختها وما اتفق لهن من الخوارق التي تمسك بوقوع مثلها من عيسى عليهالسلام من كفر برفعه فوق طوره ، ثم شرع في قص أمره حتى لم يدع فيه لبسا بوجه.
وقال الحرالي : في التعبير عن اصطفاء إبراهيم ومن بعده عليهم الصلاة والسّلام في إشعار الخطاب اختصاص إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بما هو أخص من هذا الاصطفاء من حيث انتظم في سلكه آله لاختصاصه هو بالخلة التي لم يشركه فيها أهل هذا الاصطفاء ، فاختص نمط هذا الاصطفاء بآله ، وهم ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ـ إسحاق ويعقوب والعيص عليهم الصلاة والسّلام ومن هو منهم من ذريتهم ، لأن إسماعيل عليهالسلام اختص بالوصلة بين إبراهيم الخليل ومحمد الحبيب صلوات الله وسلامه عليهم ، فكان مترقى ما هو لهم من وراء هذا الاصطفاء ، ولأن إنزال هذا الخطاب لخلق عيسى عليه الصلاة والسّلام ، وهو من ولد داود عليه الصلاة والسّلام فيما
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
