ولما ذكر هذا العلم العظيم ، ذكر ما هو أعم منه فقال : (وَأَنَ) أي ولتعلموا أن (اللهُ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما الذي فعل ذلك فتم له (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وإلّا لما أثبت جميع مقتضيات ذلك ونفى جميع موانعه حتى كان ، ولقد اتخذ العرب ـ كما في السيرة الهشامية وغيرها ـ طواغيت ، وهي بيوت جعل لها سدنة وحجابا وهدايا أكثروا منها ، وعظمت كل قبيلة ما عندها أشد تعظيم وطافوا به فلم يبلغ شيء منها ما بلغ أمر الكعبة المشرفة ولا قارب ، ليحصل العلم بأنه سبحانه لا شيء مثله ولا شريك له.
(اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١))
ولما أنتج هذا كله أنه على كل شيء قدير لأنه بكل شيء عليم ، وكانت هذه الآية ـ كما تقدم ـ ناظرة إلى أول السورة من آية (لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ) [المائدة : ٢] وما بعدها أتم نظر ، ذكر سبحانه ما اكتنف (١) آية (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة : ٣] من الوعيد الذي ختم به ما قبلها والوعد الذي ختمت هي به في هذه الآية على ترتيبه ، سائقا له مساق النتيجة والثمرة لما قبله ، بيانا لأن من ارتكب شيئا من هذه المنهيات كان حظه ، فقال محذرا ومبشرا لأن الإيمان لا يتم إلّا بهما : (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ) أي الذي له المعظمة كلها الذي نهاه عنها (شَدِيدُ الْعِقابِ) فليكن عباده على حذر منه ، وأن من أوقعه في شيء منها القدر ، ثم فتح له التوفيق باب الحذر ، فكفر فيما فيه كفارة وتاب ، كان مخاطبا بقوله : (وَأَنَ) أي واعلموا أن (اللهَ) أي الذي له الجلال والإكرام مع كونه شديد العقاب (غَفُورٌ رَحِيمٌ) يقبل عليه ويمحو زلله ويكرمه ، فكان اكتناف أسباب الرجاء سابقا للإنذار ولا حقا معلما بأن رحمته سبقت غضبه وأن العقاب إنما هو لإتمام رحمته ، قال ابن الزبير : ثم قال (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ) [المائدة : ٩٧] ـ فنبه على سوء العاقبة في منع البحث على التعليل وطلب الوقوف على ما لعله مما استأثر الله بعلمه ، ومن هذا الباب أتى على بني إسرائيل في أمر البقرة وغير ذلك ؛ وجعل هذا التنبيه إيماء ، ثم أعقبه بما يفسره (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ) [المائدة : ١٠١] ـ ووعظهم
__________________
(١) كنفه : حاطه وصانه وكنّفوه تكنيفا : أحاطوا به والكنيف : الساتر ا ه مختار.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
