لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢))
ولما أمر سبحانه ونهى ، بشر وحذر فقال : (وَعَدَ اللهُ) أي الملك الذي له الكمال المطلق فله كل شيء (الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان بألسنتهم (وَعَمِلُوا) تصديقا لهذا الإقرار (الصَّالِحاتِ) وترك المفعول الثاني أقعد في باب البشارة ، فإنه يحتمل كل خير ، وتذهب النفس في تحريزه كل مذهب.
ولما كان الموعود شيئين : فضلا وإسقاط حق ، قدم الإسقاط تأمينا للخوف ، فقال واضعا له موضع الموعود في صيغة دالة على الثبات والاختصاص : (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) أي لما فرط منهم لما طبع الإنسان عليه من النقص نسيانا أو عمدا ، بعمل الواجبات إن كان صغيرة ، وبالتوبة إن كان كبيرة ، وفيه إشارة إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره ؛ ولما أمنهم بالتجاوز أتبعه الجود بالعطاء فقال (وَأَجْرٌ) أي على قدر درجاتهم من حسن العمل (عَظِيمٌ) أي لا يدخل تفاوت درجاته تحت الحصر.
ولما قدم الوعد لأنه في سورة الذين آمنوا أتبعه الوعيد لأضدادهم ، وهو أعظم وعد لأحبابه المؤمنين أيضا فقال : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) أي غطوا ما اتضح لعقولهم من أدلة الوحدانية (وَكَذَّبُوا) أي زيادة على الستر بالعناد : (بِآياتِنا) على ما لها من العظمة في أنفسها وبإضافتها إلينا (أُولئِكَ) أي البغضاء البعداء من الرحمة خاصة (أَصْحابُ الْجَحِيمِ) أي النار التي اشتد توقدها فاشتد احمرارها ، فلا يراها شيء إلا أحجم عنها ، فهم يلقون فيها بما أقدموا على ما هو أهل للإجحام عنه من التكذيب بما لا ينبغي لأحد التكذيب به ، ثم يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب.
ولما كان من الأجر ما يحصل من أسباب السعادة في الدنيا ، قال تعالى ذاكرا لهم بعض ذلك مذكرا ببعض ما خاطبهم به ليقدموا على مباينة الكفرة ويقفوا عند حدوده كائنة ما كانت : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي صدقوا بالله ورسوله وكتابه (اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ) أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما (عَلَيْكُمْ) عظمها بإبهامها ، ثم زادها تعظيما بالتذكير بوقتها فقال : (إِذْ) أي حين (هَمَّ قَوْمٌ) أي لهم قوة ومنعة وقدرة على ما يقومون فيه (أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ) أي بالقتال والقتل ، وهو شامل. مع ذكر من أسباب نزوله ـ لما اتفق صبيحة ليلة العقبة من أن قريشا تنطست (١) الحبر عن البيعة ، فلما صح عندهم طلبوا أهل البيعة ففاتوهم إلا أنهم أدركوا سعد بن عبادة بأذاخر ، والمنذر بن
__________________
(١) تنطست : أي تجسست وبحثت ا ه وفي نسخة : تنسطت.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
