التسلط والغلبة والحرارة في الظاهر والباطن ، مع أن المحارب يوقد النار في موضع عال ليجتمع إليه أنصاره ، ولقد قام لعمري دليل المشاهدة على صدق ذلك بغزوة قينقاع تم النضير ثم قريظة ، والقبائل الثلاث بالمدينة لم يتناصروا ولم ينصروا ، ثم غزوة خيبر وأهل فدك ووادي القرى وهم متقاربون ولم يتناصروا ولم ينصروا ، هذا فيما في خاصتهم ، وأما في غير ذلك فقد ألبّوا الأحزاب وجمعوا القبائل وأتقنوا في أمرهم على زعمهم المكايد ، ثم أطفأ الله نارهم حسا ومعنى بالريح والملائكة ، وألزمهم خزيهم وعارهم وجعل الدائرة عليهم ، وساق جيش المنون على أيدي المؤمنين إليهم ، وإلى ذلك وأمثاله من أذاهم الإشارة بقوله : (وَيَسْعَوْنَ) أي يوجدون مجتهدين اجتهاد الساعي على سبيل الاستمرار بما يوجدون من المعاصي من كتمان ما عندهم من الدليل على صحة الإسلام وغير ذلك من أنواع الأجرام (فِي الْأَرْضِ) أي كل ما قدروا عليه بالفعل والباقي بالقوة.
ولما كان الإنسان لكونه محل نقصان لا ينبغي أن يتحرك فضلا عن أن يمشي فضلا عن أن يسعى إلا بما يرضي الله ، وحينئذ لا ينسب الفعل إلا إلى الله لكونه آمرا به خالقا له ، فكانت نسبة السعي إلى الإنسان دالة على الفساد ، صرح به في قوله : (فَساداً) أي للفساد أو ذوي فساد (وَاللهُ) أي والحال أن الذي له الكمال كله (لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) أي لا يفعل معهم فعل المحب ، فلا ينصر لهم جيشا ، ولا يعلي لهم كعبا ، ولا يصلح لهم شأنا ، وبذلك توعدهم سبحانه في التوراة أنهم إذا خالفوا أمره سلط عليهم من عذابه بواسطة عباده وبغير واسطتهم ما يفوت الحصر ـ كما مضى ذلك قريبا عما بين أيديهم من التوراة بنصه.
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧))
ولما أثبت بقوله (وَلَيَزِيدَنَ) أنهم كانوا كفرة قبل إتيان هذا الرسول عليهالسلام ، وكرر ما أعده لهم من الخزي الدائم على نحو ما أخبرهم به كتابهم ، وعظهم ورجّاهم سبحانه استعطافا لهم لئلا ييأسوا من روح الله على عادة منه في رحمته لعباده ورأفته بهم بقوله تعالى عاطفا على ما تقديره : فلو أنهم كفوا عن هذه الجرائم العظائم لاضمحلت
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
