ومن أحسن ما في ذلك قوله بعد اجتماعهم به بعد رفعه : أعطيت كل سلطان ، فأثبت أن المعطي غيره ، وهذا كله يصادق القرآن في أنهم في شك منه ، ويدل على أن المصلوب ـ إن صح أنهم صلبوا من ظنوه إياه ـ هو الذي دل عليه ، كما قال بعض العلماء : إنه ألقى شبهه عليه ، ويؤيد ذلك قولهم : إنه خنق نفسه ، فالظاهر أنهم لما لم يروه بعد ذلك ظنوا أنه خنق نفسه ، فجزموا به ـ والله أعلم ، وقوله : إنك يا رباه فيّ وأنا فيك ، ليكونوا ـ أي التلاميذ ـ فينا ، ونحوه مما يوهم حلولا المراد به الاتحاد في المراد بحيث أن واحدا منهم لا يريد إلا ما يريده الآخر ، ولا يرضى إلا ما يرضاه ، فهو من وادي ما في الحديث القدسي «كنت سمعه الذي يسمع به» (١) ـ إلى آخره ، وكذا إطلاق الابن والأب معناه أنه يعاملهم في لطفه معاملة الأب ابنه ، فالمراد الغاية ، كما يؤل ذلك في إطلاق الغضب والمحبة ونحو ذلك في حق الله تعالى في شرعنا ، وقد مضى كثير من رد المتشابه في مثل ذلك إلى المحكم في آل عمران ، ومضى في ذلك الموضع وغيره أن كل ما أوهم نقصا لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى ـ والله الموفق.
(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١))
ولما أنجز الكلام إلى أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام على هذا المنهاج البديع بما ذكر في نصائح اليهود وقبائح أفعالهم ، وأنهم قصدوا قتله عليه الصلاة والسّلام ، فخاب قصدهم ، وأصلد زندهم ، وقال رأيهم ، ورد عليهم بغيهم ، وحصل له بذلك أعلى المناصب وأولى المراتب ؛ قال محققا لما أثبته في الآية قبلها من القطع بكذبهم ، مثبتا أنهم في مبالغتهم في عداوته سيكونون من أتباعه المصدقين بجميع أمره الذي منه
__________________
(١) جيد. هو بعض حديث أخرجه البخاري ٦٥٠٢ وابن حبان ٣٤٧ كلاهما من حديث أبي هريرة وفي إسناده خالد بن مخلد ذكره الذهبي في الميزان وقال : قال أبو حاتم : لا يحتج به وقال أحمد : له مناكير وأخرج ابن عدي عشرة أحاديث من حديثه استنكرها منها هذا الحديث وقال : هذا حديث غريب جدا لو لا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد لغرابة لفظه ولأنه مما ينفرد به شريك ا ه. ـ وذكر ابن حجر في الفتح ١١ / ٣٤١ كلام الذهبي وزاد : ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلا ا ه راجع كلام ابن حجر في الفتح ١١ / ٣٤١. ـ ومن شواهده حديث معاذ ابن جبل أخرجه ابن ماجه ٣٩٨٩ وأبو نعيم في الحلية ١ / ٥ مختصرا وسنده ضعيف. قال البوصيري : في إسناده عبد الله بن لهيعة ضعيف.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
