وذلك عبارة عن اختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله من ترديد الرسل بالوحي بينه وبينه ، وإجابة الدعوة ، وإظهار الخوارق عليه وعلى آله ، والنصرة على الأعداء وغير ذلك من الألطاف ، وأظهر اسمه في موضع الإضمار تصريحا بالمقصود احتراسا من الإبهام وإعلاء لقدره تنويها بذكره.
(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧))
ولما أخبر بمن يحبه ومن يبغضه وبما يرضيه وما يغضبه ، وكان ربما توهم عدم القدرة على أخذه لغير ما أخذ ، وجعله لغير ما جعل ، أو تعنت بذلك متعنت فظن أن في الكلام دخلا بنوع احتياج إلى المحالة أو غيرها قال : (وَلِلَّهِ) أي والحال أن للمختص بالوحدانية ـ فلا كفوء له (ما فِي السَّماواتِ.)
ولما كان السياق للمنافقين والمشركين أكد فقال : (وَما فِي الْأَرْضِ) من إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ومن غيره إشارة إلى أنه التام الملك العظيم الملك ، فلا يعطي إلا من تابع أولياءه وجانب أعداءه ، ولا يختار إلا من علمه خيارا وهو مع ذلك قادر على ما يريد من إقرار وتبديل ، ولذلك قال : (وَكانَ اللهُ) أي الملك الذي له الكمال كله (بِكُلِّ شَيْءٍ) أي منهما ومن غيرهما (مُحِيطاً) علما وقدرة ، فمهما راد كان في وعده ووعيده للمطيع والعاصي ، لا يخفى عليه أحد منهم ، ولا يعجزه شيء.
ولما كان سبحانه وتعالى قد رتب هذا الكتاب على أنه يذكر أحكاما من الأصول والفروع ، ثم يفصلها بوعد ووعيد وترغيب وترهيب ، وينظمها بدلائل كبريائه وجلاله وعظيم بره وكماله ، ثم يعود إلى بيان الأحكام على أبدع نظام لأن إلقاء المراد في ذلك القالب أقرب إلى القبول ، والنظم كذلك أجدر بالتأثير في القلوب ، لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا تنقاد له النفوس إلا إذا كان مقرونا ببشارة ونذارة ، وذلك لا يؤثر إلا عند القطع بغاية الكمال لمن صدر عنه ذلك المقال ، ولا ينتقل مع ذلك من أسلوب إلى آخر إلا على غاية ما يكون من المناسبة بين آخر كل نوع وأول ما بعده بكمال التعلق لفظا ومعنى ، وفعل سبحانه وتعالى في هذه السورة في أحكام العدل الذي بدأ السورة به في المواصلة التي مبناها النكاح والإرث وغير ذلك مما اتصل به ـ كما بين ـ إلى أن ختم هنا بالإسلام المثمر لقبول ذلك كله وعظمة الملك الموجبة لتمام الإسلام ، وقامت
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
