ولما ذكر في هذه الآيات أنواعا من التكاليف هي في غاية الحكمة ، والتعبير عنها في الذروة العليا من العظمة ، وختمها بإسقاط الجناح عند الرضى وكان الرضى أمرا باطنا لا يطلع عليه حقيقة إلا الله تعالى ، حث على الورع في شأنه بنوط الحكم بغلبة الظن فقال مرغبا في امتثال أوامره ونواهيه : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له الإحاطة التامة علما وقدرة (كانَ عَلِيماً) أي بمن يقدم متحريا لرضى صاحبه أو غير متحرّ لذلك (حَكِيماً) أي يضع الأشياء في أمكن مواضعها من الجزاء على الذنوب وغيره.
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥))
ولما مضى ذلك على هذا الوجه الجليل عرف أنه كله في الحرائر لأنه الوجه الأحكم في النكاح ، وأتبعه تعليم الحكمة في نكاح الإماء ؛ فقال عاطفا على ما تقديره : هذا حكم من استطاع نكاح حرة : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ) أي أيها المؤمنون (طَوْلاً) أي سعة وزيادة عبر فيما قبله بالمال تهوينا لبذله بأنه ميال ، لا ثبات له ، وهنا بالطول الذي معناه : التي قل من يجدها (أَنْ) أي لأن (يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ) أي الحرائر ، فإن الحرة مظنة العفة الجاعلة لها فيما هو كالحصن على مريد الفساد ، لأن العرب كانوا يصونونهنّ وهنّ أنفسهن عن أن يكن كالإماء (الْمُؤْمِناتِ) بسبب كثرة المؤنة وغلاء المهر (فَمِنْ) أي فلينكح إن أراد من (ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي مما ملك غيركم من المؤمنين (مِنْ فَتَياتِكُمُ) أي إمائكم ، وأطلقت الفتوة ـ وهي الشباب ـ على الرقيق لأنه يفعل ما يفعل الشاب لتكليف السيد له إلى الخدمة وعدم توقيره وإن كان شيخا ، ثم وضح المراد بالإضافة فقال : (الْمُؤْمِناتِ) أي لا من الحرائر الكافرات ولا مما ملكتم من الإماء الكافرات ولا مما ملك الكفار حذرا من مخالطة كافرة خوفا من الفتنة ـ كما مضى في البقرة ، ولئلا يكون الولد المسلم بحكم تبعية أمه في الرق ملكا لكافر ، هذا ما تفهمه العبارة ولكنهم قالوا : إن تقييد المحصنات بالمؤمنات لا مفهوم له ، وإلا لصار نكاح الحرة الكتابية المباح بآية المائدة مشروطا بعقد مسلمة ، حرة كانت أو أمة ، ولم يشترط ذلك ؛ ومذهب الشافعي أنه لا يجوز نكاح الأمة مع القدرة على حرة كتابية ،
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
