فإياها نفعتم. ولذلك سبب عن هذا النور الباهر والسر الظاهر قوله : (فَمَنْ أَبْصَرَ) أي عمل بالأدلة (فَلِنَفْسِهِ) أي خاصة إبصاره لأنه خلصها من الضلال المؤدي إلى الهلاك (وَمَنْ عَمِيَ) أي لم يهتد بالأدلة (فَعَلَيْها) أي خاصة عماه لأنه يضل فيعطب.
ولما كان المعنى أنه ليس لي ولا لغيري من إبصاره شيء ينقصه شيئا ، ولا عليّ ولا غيري شيء من عماه ، كان التقدير : فإنما أنا بشير ونذير ، عطف عليه قوله (وَما أَنَا) وأشار إلى أن حق الآدمي التواضع وإسلام الجبروت والقهر لله بأداة الاستعلاء فقال : (عَلَيْكُمْ) وأغرق في النفي بقوله : (بِحَفِيظٍ) أي أقودكم قسرا إلى ما ينجيكم ، وأمنعكم قهرا مما يرديكم.
(وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨))
ولما كان التقدير التفاتا إلى مقام العظمة إعلاما بأن القضاء كله بيده لئلا يظن نقص في نفوذ الكلمة : فانظروا ما صرفنا لكم في هذه السورة من الآيات وأوضحنا بها من شريف الدلالات ، لقد أتينا فيها بعجائب التصاريف وكشفنا عن غرائب التعاريف ، عطف عليه قوله : (وَكَذلِكَ) أي ومثل هذا التصريف العظيم (نُصَرِّفُ) أي ننقل جميع (الْآياتِ) من حال إلى حال في المعاني المتنوعة سالكين من وجوه البراهين ما يفوت القوى ويعجز القدر لتحير ألباب المارقين وتنطلس أفكار المانعين ، علما منهم بأنهم عجزة عن الإتيان بما يدانيها فتلزمهم الحجة (وَلِيَقُولُوا) اعتداء لا عن ظهور عجزهم «دارست» (١) أي غيرك من أهل الكتاب أو غيرهم في هذا حتى انتظم لك هذا الانتظام وتم لك هذا التمام ، فيأتوا ببهتان بيّن عواره ظاهرة أسراره ، مهتوكة أستاره ، فيكونوا كأنهم قالوا : إنك أتيت به عن علم ونحن جاهلون لا نعلم شيئا ، فيعلم كل موفق أنهم ما رضوه لأنفسهم مع ادعاء الصدق والمنافسة في البعد عن أوصاف الكذب إلا لفرط الحيرة وتناهي الدهشة وإعواز القادح ، والحاصل أنه أتى به على هذا المنهاج الغريب والأسلوب العجيب ليعمى ناس عن بينة ويبصر آخرون ، وهم المرادون بقوله :
__________________
(١) هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو ، وأما ما في مصاحف بلادنا فهي : «درست».
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
