ولما كان ذلك ربما كان لفائدة استهين لها هذا الفعل العظيم ، ذكر أنه ليس له فائدة إلا الهلاك في الدنيا والدين الذي هو هلاك في الآخرة ليكون ذلك أعجب فقال : (لِيُرْدُوهُمْ) أي ليهلكوهم هلاكا لا فائدة فيه بوجه (وَلِيَلْبِسُوا) أي يخلطوا ويشبهوا (عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) أي وهو دين إبراهيم الذي أمره الله بذبح ولده إسماعيل عليهماالسلام فما أقدم عليه إلّا بأمر الله ثم إنه فداه ولم يمض ذبحه ، فخالف هؤلاء عن أمر الشركاء الأمرين معا فجمعوا لهم بذلك بين إهلاكين : في النفس والدين ، فان القتل في نفسه عظيم جدا ، ووقوعه تدينا بغير أصل ولا شبهة أعظم ، فلا أضل ممن تبع من كان سببا لإهلاك نفسه ودينه.
ولما كان العرب يدعون الأذهان الثاقبة والأفكار الصافية والآراء الصائبة والعقول الوافرة النافذة ، ذكر لهم ذلك على سبيل التعليل استهزاء بهم ، يعني أنهم فعلوا ذلك لهذه العلة فلم يفطنوا بهم ولم يدركوا ما أرادوا بكم مع أنهم حجارة ، فأنتم أسفل منهم ؛ ولما أثبت للشركاء فعلا هو التزيين ، وكان قد نفي سابقا عنهم وعن سائر أعداء الأنبياء الاستقلال به ، وأناط الأمر هناك ـ لأن السياق للأعداء ـ بصفة الربوبية المقتضية للحياطة والعناية ، وكان الكلام هنا في خصوص الشركاء ، علق الأمر باسم الذات الدال على الكمال المقتضي للعظمة والجبروت والكبر وسائر الأسماء الحسنى على وجه الإحاطة والجلال فقال : (وَلَوْ شاءَ اللهُ) أي بما له من العظمة والإحاطة بجميع أوصاف الكمال المقتضية للعلو عن الأنداد والتنزه عن الشركاء والأولاد أن لا يفعله المشركون (ما فَعَلُوهُ) أي ذلك الذي زين لهم ، بل ذلك إنما هو بإرادته ومشيئته احتراسا من ظن أنهم يقدرون على شيء استقلالا ، وتسلية لرسول الله صلىاللهعليهوسلم وتخفيفا ، وأكد التسلية بقوله : (فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ) أي يتقولون من الكذب ويتعمدونه.
(وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩))
ولما ذكر إقدامهم على ما قبحه الشرع ، ولامه على تقبيحه العقل من قتل الأولاد ، أتبعه إحجامهم عما حسنه الشرع من ذبح بعض الأنعام لنفعهم ، وضم إليه جملة مما منعوا أنفسهم منه ودانوا به لمجرد أهوائهم فقال : (وَقالُوا) أي المشركون سفها وجهلا
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
