ولما كان سبحانه رحيما بهذه الأمة ، خيرها بين ذلك وبين ما بعد فقال : (أَوْ) عليه (كَفَّارَةٌ) هي (طَعامُ مِسْكِينٍ) في الحرم بمقدار قيمة الهدي ، لكل مسكين مد (أَوْ عَدْلُ ذلِكَ) أي قيمة المثل (صِياماً) في أيّ موضع تيسر له ، عن كل مد يوم ، فأو للتخيير لأنه الأصل فيها ، والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل.
ولما كان الأمر مفروضا في المتعمد قال معلقا بالجزاء ، أي فعليه أن يجازي بما ينقص المال أو يؤلم الجسم (لِيَذُوقَ وَبالَ) أي ثقل (أَمْرِهِ) وسوء عاقبته ليحترز عن مثل ما وقع فيه ؛ ولما كان هذا الجزاء محكوما به في دار العمل التي لا يطلع أهلها بمجرد عقولهم فيها على غيب ، ولا يعرفون عاقبة أمر إلّا تخرصا (١) ، طرد الحكم في غير المتعمد لئلا يدعي المتعمد أنه مخطىء ، كل ذلك حمى لحرمة الدين وصونا لحرمة الشرع وحفظا لجانبه ورعاية لشأنه ، ولما كان قد مضى منهم قبل نزولها من هذا النوع أشياء ، كانوا كأنهم قالوا : فكيف نصنع بما أسلفنا؟ قال جوابا : (عَفَا اللهُ) أي الغني عن كل شيء الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال (عَمَّا سَلَفَ) أي تعمده ، أي لكم من ذلك ، فمن حفظ نفسه بعد هذا فاز (وَمَنْ عادَ) إلى تعمد شيء من ذلك ولو قل ؛ ولما كان المبتدأ متضمنا معنى الشرط ، قرن الخبر بالفاء إعلاما بالسببية فقال : (فَيَنْتَقِمُ اللهُ) أي الذي له الأمر كله (مِنْهُ) أي بسبب عوده بما يستحقه من الانتقام.
ولما كان فاعل ذلك منتهكا لحرمة الإحرام والحرم ، وكان التقدير : فالله قادر عليه ، عطف على ذلك ما اقتضاه المقام من الإتيان بالاسم الأعظم ووصف العزة فقال : (وَاللهُ) أي الملك الأعلى الذي لا تداني عظمته عظمة (عَزِيزٌ) لا يغلب (ذُو انْتِقامٍ) ممن خالف أمره.
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧))
ولما كان هذا عاما في كل صيد ، بين أنه خاص بصيد البر فقال : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) أي اصطياده ، أي الذي مبناه غالبا على الحاجة ، والمراد به جميع المياه من الأنهار والبرك وغيرها (وَطَعامُهُ) أي مصيده طريا وقديدا ولو كان طافيا قذفه البحر ، وهو الحيتان بأنواعها وكل ما لا يعيش في البر ، وما أكل مثله في البر.
__________________
(١) الخرص : الكذب ، وتخرّص عليه : افترى واخترص : اختلق والخراصة بالكسر : الإصلاح ا ه قاموس.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
