استمراره في الأزمنة كلها : (وَالشَّمْسَ) أي التي ينشأ عنها كل منهما ، هذا عن غروبها وهذا عن شروقها (وَالْقَمَرَ) أي الذي هو آية الليل (حُسْباناً) أي ذويّ حسبان وعلمين عليه ، لأن الحساب يعلم بدورهما وسيرهما ، وبسبب ذلك نظم سبحانه مصالح العالم في الفصول الأربعة ، فيكون عن ذلك ما يحتاج إليه من نضج الثمار وحصول الغلات ، وعبر عنهما بالمصدر المبني على هذه الصيغة البليغة إشارة إلى أن الحساب بهما أمر عظيم كبير النفع كثير الدخول ، مع ما له من الدنيا في أبواب الدين فهو جل نفعهما الذي وقع التكليف به ، فكأنه لما كان الأمر كذلك ، كان حقيقتهما التي يعبر عنهما بها ، وأما غير ذلك من منافعهما فلا مدخل للعباد فيه.
ولما كان هذا أمرا باهرا ووصفا قاهرا ، أشار إليه بأداة البعد فقال : (ذلِكَ) أي التقدير العظيم الذي تقدم من الفلق وما بعده (تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ) أي الذي لا يغالب فهو الذي قهرهما على ما سيّرهما فيه ، وغلب العباد على ما دبر من أمرهم بهما ، فلو أراد أحد أن يجعل ما جعله من النوم يقظة واليقظة نوما ، أو يجعل محل السكن للحركة أو بالعكس أو غير ذلك مما أشارت إليه الآية لأعياه ذلك (الْعَلِيمِ) أي الذي جعل ذلك بعلمه على منهاج لا يتغير وميزان قويم لا يزيغ.
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨))
ولما ذكر ذلك ، أتبعه منفعة أخرى تعمهما مع غيرهما مبينا ما أذن فيه من علم النجوم ومنافعها فقال : (وَهُوَ) أي لا غيره (الَّذِي جَعَلَ) ولما كانت العناية بنا أعظم ، قدم قوله : (لَكُمُ النُّجُومَ) أي كلها سائرها وثابتها وإن كان علمكم يقصر عنها كلها كما يقصر عن الرسوخ والبلوغ في علم السير للسيارة منه (لِتَهْتَدُوا) أي لتكلفوا أنفسكم علم الهداية (بِها) لتعلموا القبلة وأوقات الصلوات والصيام وغير ذلك من منافعكم دنيا ودينا.
ولما كانت الأرض والماء ليس لهما من نفسهما إلا الظلمة ، وانضمت إلى ذلك ظلمة الليل ، قال : (فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ) أي الذي لا علم فيه ، وإن كانت له أعلام فإنها قد تخفى (وَالْبَحْرِ) فإنه لا علم به ، والإضافة إليهما للملابسة أو تشبيه الملبّس من الطرق وغيرها بالظلمة ؛ روى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في جزء جمعه في النجوم من طريق أحمد بن سهل الأشناني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : تعلموا من
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
