(وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠))
ولما كانت ترجمة ما مضى : ثم هم يعدلون بربهم غيره ويكذبونك فيما جئت به من الحق مع ما أوضحت عليه من الحجج ونصبت من الدلائل ، وكان صلىاللهعليهوسلم شديد الحرص على إيمانهم ، كان المقام يقتضي أن يقول لسان الحال : أنزل عليهم يا رب ما ينتقلون به من النظر بالفكر إلى العيان كما اقترحوا عليّ ، فأخبره أنهم لا يؤمنون بذلك ، بقوله عطفا على (وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ) تحقيقا له وتصويرا في جريته : (وَلَوْ نَزَّلْنا) أي على ما لنا من العظمة (عَلَيْكَ كِتاباً) أي مكتوبا من السماء (فِي قِرْطاسٍ) أي ورق ، إجابة لما أشار عليهم اليهود باقتراحه ، ثم حقق أنه واضح الأمر ، ليس بخيال ولا فيه نوع لبس بقوله : (فَلَمَسُوهُ) أي زيادة على الرؤية. وزاد في التحقيق والتصوير ودفع التجوز بقوله : (بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ) وأظهر ولم يضمر تعليقا للحكم بالوصف وتنبيها على أن من الموجودين من يسكت ويؤمن ولو بعد ذلك فقال : (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي حكما بتأبد كفرهم سترا للآيات عنادا ومكابرة ، ولعله أسقط منهم إشارة إلى عموم دعوته ، أي من العرب ومن غيرهم من أمة دعوتك ولا سيما اليهود المشار إلى تعنتهم وكذبهم بقوله (يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ) [النساء : ١٥٣] (إِنْ) أي ما (هذا إِلَّا سِحْرٌ) أي تمويه وخيال لا حقيقة له ، وزادوا في الوقاحة فقالوا : (مُبِينٌ) أي واضح ظاهر ، قال صاحب كتاب الزينة : معنى السحر في كلام العرب التعليل بالشيء والمدافعة به والتعزير بشيء لا محصول له ، يقال : سحره ـ إذا علله وعزره وشبه عليه حتى لا يدري من أين يتوجه ويقلب عن وجهه ، فكأن السحرة يعللون الناس بالباطل ويشبهون الباطل في صورة الحق ويقلبونه عن جهته.
ولما بين ما يترتب على الإجابة إلى ما أشار إلى أن اليهود اقترحوه من إنزال الكتاب ، أخبر أنهم اقترحوا ظهور الملك لهم ، وبين لوازمه ، فإنهم قالوا : لو بعث الله رسولا لوجب كونه ملكا ليكون أكثر علما وأقوى قدرة وأظهر امتيازا عن البشر ، فتكون الشبهة في رسالته أقل ، والحكيم إذا أراد تحصيل مهّم كان الأولى تحصيله بما هو أسرع إيصالا إليه ، فقال : (وَقالُوا لَوْ لا) أي هلا ولم لا (أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) أي من السماء ظاهرا لنا يكلمنا ونكلمه ولا يحتجب عنا.
ولما ذكر قولهم مشيرا إلى شبهتهم ، نقضه بقوله : (وَلَوْ) أي والحال أنا لو
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
