فرده إلى رفاعة ، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين ، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية ، فأنزل الله سبحانه وتعالى (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ) إلى قوله : (ضَلالاً بَعِيداً»)(١) وروى الحديث ابن إسحاق في السيرة وزاد : إن حسانا قال في نزوله عندها أبياتا فطردته ، فلحق بالطائف فدخل بيتا ليسرق منه ، فوقع عليه فمات ، فقالت قريش : والله ما يفارق محمدا من أصحابه أحد فيه خير.
(وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١))
ولما نهاه عن الخصام لمطلق الخائن ، وهو من وقعت منه خيانة ما ؛ أتبعه النهي عن المجادلة عمن تعمد الخيانة فقال سبحانه وتعالى : (وَلا تُجادِلْ) أي في وقت ما (عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ) أي يتجدد منهم تعمد أن يخونوا (أَنْفُسَهُمْ) بأن يوقعوها في الهلكة بالعصيان فيما اؤتمنوا عليه من الأمور الخفية ، والتعبير بالجمع ـ مع أن الذي نزلت فيه الآية واحد ـ للتعميم وتهديد من أعانه من قومه ، ويجوز أن يكون أشار بصيغة الافتعال إلى أن الخيانة لا تقع إلا مكررة ، فإنه يعزم عليها أولا ثم يفعلها ، فأدنى ذلك أن يكون قد خان من نفسه مرتين ، قال الإمام ما معناه أن التهديد في هذه الآية عظيم جدا ، وذلك أنه سبحانه وتعالى عاتب خير الخلق عنده وأكرمهم لديه هذه المعاتبة وما فعل إلا الحق في الظاهر ، فكيف بمن يعلم الباطن ويساعد أهل الباطل؟ فكيف إن كان بغيرهم؟ ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أن من خان غيره كان مبالغا في الخيانة بالعزم وخيانة الغير المستلزمة لخيانة النفس فلذا ختمت بالتعليل بقوله : (إِنَّ اللهَ) أي الجليل العظيم ذا الجلال والإكرام (لا يُحِبُ) أي لا يكرم (مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً) بصيغتي المبالغة ـ على أن مراتب المبالغين في الخيانة متفاوتة ، وفيه مع هذا استعطاف لمن وقعت منه الخيانة مرة واحدة وقدم سبحانه وتعالى ذلك ، لأن فيه دفعا للضر عن البريء وجلبا للنفع إليه ؛ ثم أتبعه بعيب هذا الخائن وقلة تأمله والإعلام بأن المجادلة عنه قليلة
__________________
(١) أخرجه الترمذي ٣٠٣٦ في كتاب التفسير مطوّلا من حديث قتاده بن النعمان وقال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحرّانيّ.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
