(وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠))
ولما كانت الجملتان من الاحتباك ، فأفادتا بما ذكر وما دل عليه المذكور مما حذف أنه تعالى غالب على أمره ، قال مصرحا بذلك : (وَهُوَ الْقاهِرُ) أي الذي يعمل مراده كله ويمنع غيره مراده إن شاء ، وصور قهره وحققه لتمكن الغلبة بقوله : (فَوْقَ عِبادِهِ) وكل ما سواه عبد ؛ ولما كان في القهر ما يكون مذموما ، نفاه بقوله : (وَهُوَ) أي وحده (الْحَكِيمُ) فلا يوصل أثر القهر بإيقاع المكروه إلا لمستحق ، وأتم المعنى بقوله : (الْخَبِيرُ) أي بما يستحق كل شيء ، فتمت الأدلة على عظيم سلطانه وأنه لا فاعل غيره.
ولما ختم بصفتي الحكمة والخبرة ، كان كأنه قيل : فلم لم يعلم أنا نكذبك بخبرته فيرسل معك بحكمته من يشهد لك ـ على ما يقول من أنه أمرك أن تكون أول من أسلم ، ونهاك عن الشرك لنصدقك ـ من ملك كما تقدم سؤالنا لك فيه أو كتاب في قرطاس أو غيرهما؟ فقال : قد فعل ، ولم يرض لي إلا بشهادته المقدسة فقال ـ أو يقال : إنه لما أقام الأدلة على الوحدانية والقدرة ووصل إلى صفة القهر المؤذن بالانتقام ، لم يبق إلا الإشهاد عليهم إيذانا بما يستحقونه من سوء العذاب وإنذارا به لئلا يقولوا إذا حل بهم : إنه لم يأتنا نذير ، فقال : (قُلْ) أي يا أيها الرسول لهم (أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ) أي أعظم وأجل (شَهادَةً) فإن أنصفوا وقالوا : الله! فقل : هو الذي يشهد لي ، كما قال في النساء «لكن الله يشهد بما أنزل إليك» ولكنه قطع الكلام هنا إشارة إلى عنادهم أو سكوتهم ، أو إلى تنزيلهم منزلة المعاند ، أو العالم بالشيء العامل عمل الجاهل ، فقال آمرا له صلىاللهعليهوسلم : (قُلِ اللهُ) أي الملك الأعظم المحيط علما وقدرة أكبر شهادة.
ولما كانوا بمعرض أن يسلموا ذلك ويقولوا : إنه لكذلك ، ولكن هلم شهادته! قال : (شَهِيدٌ) أي هو أبلغ شاهد يشهد (بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) أي بهذا القرآن الذي ثبت بعجزكم عنه أنه كلامه ، وبغيره من الآيات التي عجزتم عن معارضتها ؛ ولما قرر أنه أعظم شهيد ، وأشار إلى شهادته بالآيات كلها ، نبه على أعظمها ، لأن إظهاره تعالى للقرآن على لسانه صلىاللهعليهوسلم على وفق دعواه شهادة من الله له بالصدق ، فقال ذاكرا لفائدته في سياق تهديد متكفل بإثبات الرسالة وإثبات الوحدانية ، وقدم الأول لأنه المقرر للثاني والمفهم له بغايته ، عاطفا على جملة «شهيد» بانيا للمفعول ، تنبيها على أن الفاعل
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
