ولما كان المقام للعلم الكاشف للحقائق المبين لما يتبع وما يجتنب ، قال معللا لهذا الإخبار : (إِنَّ رَبَّكَ) أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب الكاشف للارتياب الهادي إلى الصواب (هُوَ) أي وحده (أَعْلَمُ) ولكون الحال شديد الاقتضاء للعلم ، قطعه عما بعده ليسبق إلى الفهم أنه أعلم من كل من يتوهم فيه العلم مطلقا ثم قال : (مَنْ) أي يعلم من (يَضِلُ) أي يقع منه ضلال يوما ما (عَنْ سَبِيلِهِ) أي الذي بينه بعلمه (وَهُوَ) أي وحده (أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) كما أنه أعلم بالضالين ، فمن أمركم باتباعه فاتبعوه ، ومن نهاكم عنه فاجتنبوه ، فمن ضل أرداه ، ومن اهتدى أنجاه ، فاستمسكوا بأسبابه حذرا من وبيل عقابه يوم حسابه.
ولما قدم سبحانه ما مضى من السوائب وما معها وفي المائدة مما يدين به أهل الجاهلية في أكل الحيوان الذي جر إليه الشرك ، وأتبعه بيان أنه لا ضرر على أهل الإيمان من دين أهل الضلال إذا اهتدوا ، وأتبع ذلك ما لاءمه ، وانتظم في سلكه ولا حمه ، حتى ظهر أي ظهور أن الكل ملكه وملكه ، وأنه لا شريك له ، فوجب شكره وحده ، وكانوا مع ذلك قد كفروا نعمه تعالى فاتخذوا معه شركاء ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا لها مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، فكانوا بذلك المانعين الحق عن أهله ، ومانحين ما خولهم فيه من له الملك لما لا يملك ضرا ولا نفعا ، وتاركين بعض ما أنعم عليهم به صاحب الحق رعاية لمن لا حق له ولا حرمة ، وكانت سنة الله تعالى قد جرت بأنه يذكر نفسه الشريفة بالوحدانية. ويستدل على ذلك بخلق السماوات والأرض وما أودع فيهما لنا من المنافع وما أبدع من المرافق والمصانع ، ثم يعجب ممن أشرك به ، ثم يأمر بالأكل مما خلق تذكيرا بالنعمة ، ليكون ذلك داعية لكل ذي لب إلى شكره ، كما قال تعالى في البقرة عقب (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [البقرة : ١٦٤] ثم قال (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً) [البقرة : ١٦٥] ثم قال (يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً) [البقرة : ١٦٨] ؛ أجرى هذه السنة الجليلة في هذه السورة أيضا ، فقال : (إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى) [الأنعام : ٩٥] بعد (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ) [الأنعام : ٧٩] ثم (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ) [الأنعام : ١٠٠] ودل على أنه لا شريك له في ملكه ولا ملكه ، وختم بأنه لا حكم سواه ينازعه في حكمه أو يباريه في شيء من أمره ، وبين أن من آيها الهداية التي جعلها شرطا لعدم ضرر يلحق من دين أهل الشرك ؛ فسبب عن جميع ما ذكرت قوله : (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ) أي وقت الذبح (اسْمُ اللهِ) أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة فله كل شيء (عَلَيْهِ) أي كأن قائلا لذلك سواء ذكر بالفعل أولا ، وعدل عن التعبير بما جعلته المراد ليفهم أن الذكر بالفعل مندوب إليه ، ولا يكونوا ممن بنى دينه على اتباع الأهوية والظنون الكاذبة ، فكأنه قيل : اتبعوا من يعرف الحق لأهله فإنه مهتد غير معرجين على غيره فإنه ضال ،
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
