ولما تم ذلك على هذه الوجوه الظاهرة التي أوجبت اليقين لكل منصف بأنهم مغلوبون وصل بها أمره صلىاللهعليهوسلم وهو الحبيب العزيز بأن يصرح لهم بمضمون ذلك فقال : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي من أهل زمانك جريا على منهاج أولئك الذين أخذناهم (سَتُغْلَبُونَ) كما غلبوا وإن كنتم ملأ الأرض لأنكم إنما تغالبون خالقكم وهو الغالب لكل شيء : «وليغلبنّ مغالب الغلّاب» واللام على قراءة الجمهور بالخطاب معدية ، وعلى قراءة الغيب معللة ، أي قل لأجلهم ، أو هي بمعنى عن ، أي قل عنهم ، وقد أفهم الإخبار بمجرد الغلبة دون ذكر العذاب كما كان يذكر في تهديد من قبلهم أن أخذهم بيد المغالبة والمدافعة والنصرة تشريفا لنبيهم صلىاللهعليهوسلم لأنه عرض عليه عذابهم فأبى إلا المدافعة على سنة المصابرة ، فكان أول ذلك غلبته صلىاللهعليهوسلم على مكة المشرفة ، وكان فتحها فتحا لجميع الأرض لأنها أم القرى ـ نبه على ذلك الحرالي. (وَتُحْشَرُونَ) أي تجمعون بعد موتكم أحياء كما كنتم قبل الموت (إِلى جَهَنَّمَ) قال الحرالي : وهي من الجهامة ، وهي كراهة المنظر ـ انتهى ؛ فتكون مهادكم ، لا مهاد لكم غيرها (وَبِئْسَ) أي والحال أنها بئس (الْمِهادُ).
(قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥))
ولما كان الكفرة من أهل الكتاب وغيرهم من العرب بمعرض أن يقولوا حين قيل لهم ذلك : كيف نغلب وما هم فينا إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود؟ قيل لهم : إن كانت قصة آل فرعون لم تنفعكم لجهل أو طول عهد فإنه (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ) أي عظيمة بدلالة تذكير كان (فِي فِئَتَيْنِ) تثنية فئة ـ للطائفة التي يفيء إليها ـ أي يرجع ـ من يستعظم شيئا ، استنادا إليها حماية بها لقوتها ومنعتها (الْتَقَتا) أي في بدر (فِئَةٌ) أي منهما مؤمنة ، لما يرشد إليه قوله : (تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي الملك الأعلى لتكون كلمة الله هي العليا ، ومن كان كذلك لم يكن قطعا إلا مؤمنا (وَأُخْرى) أي منهما (كافِرَةٌ) أي تقاتل في سبيل الشيطان ، فالآية كما ترى من وادي الاحتباك ، وهو أن يؤتى بكلامين
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
