عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨))
ولما كانت هذه السورة متضمنة لكثير من الدقائق التي أخفوها من كتابهم الذي جعلوه قراطيس ، يبدونها ويخفون كثيرا ، وفي هذه الآية بخصوصها من ذلك ما يقتضي تصديقه صلىاللهعليهوسلم وكان سبحانه عالما بأن أكثرهم يعاندون سبب عن ذلك أن سلاه في تكذيب المكذبين منهم بقوله : (فَإِنْ كَذَّبُوكَ) فكان كأنه قيل : هذا الذي أعلمتك به يوجب تصديقك ، فإن لم يفعلوا بل كذبوا (فَقَدْ) ولما كان السياق لإثبات مبالغتهم في الغلظة والجفاء والكفر وعدم الوفاء وكانت السورة سورة التوحيد ، والرسل متفقون عليه ، وقد أتى كل منهم فيه بأنهى البيان وأزال كل لبس أسقط تاء التأنيث لأنها ربما دلت على نوع ضعف فقال : (كُذِّبَ رُسُلٌ) ولما كانت تسلية الإنسان بمن قاربه في الزمان أشد أثبت الجار فقال (مِنْ قَبْلِكَ) أي فلك فيهم مسلاة وبهم أسوة (جاؤُ بِالْبَيِّناتِ) أي من المعجزات (وَالزُّبُرِ) أي من الصحف المضمنة للمواعظ والحكم الزواجر والرقائق التي يزبر العالم بها عن المساوي (وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ) أي الجامع للأحكام وغيرها. الموضح لأنه الصراط المستقيم.
ولما تقدم في قصة أحد رجوع المنافقين وهزيمة بعض المؤمنين مما كان سبب ظفر الكافرين ، وعاب سبحانه ذلك عليهم بأنهم هربوا من موجبات السعادة والحياة الأبدية إلى ما لا بد منه ، وإلى ذلك أشار بقوله : (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) [آل عمران : ١٥٤] (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) [آل عمران : ١٥٧] (قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ) [آل عمران : ١٦٨] (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) [آل عمران : ١٦٩] وغير ذلك مما بكتهم به في رجوعهم حذر الموت وطلب امتداد العمر ، مع ما افتتح به من أن موت هذا النبي الكريم وقتله ممكن كما كان من قبله من إخوانه من الرسل على جميعهم أفضل الصلاة والسّلام والتحية والإكرام! وختم بالإخبار بأنه وقع قتل كثير من الرسل ، فكان ذلك محققا لأنه لا يصان من الموت خاص ولا عام ، مضموما إلى ما نشاهد من ذلك في كل لحظة ؛ صوّر ذلك الموت بعد أن صار مستحضرا للعيان تصويرا أوجب التصريح به إشارة إلى أن حالهم في هربهم ورجوعهم وما تبع ذلك من قولهم حال من هو في شك منه فقال تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ) أي منفوسة من عيسى وغيره من أهل الجنة والنار (ذائِقَةُ الْمَوْتِ) أي وهو المعنى الذي يبطل معه
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
