كان جوابا منه صلىاللهعليهوسلم لهذه الآية ، لفهمه صلىاللهعليهوسلم أن إنزال آية عمران سر الإسلام وأعظمه وأكمله ، وهذه الآية من المعجزات ، لأنها إخبار بمغيب صدقها فيه الواقع.
ولما تمت هذه الجمل الاعتراضية التي صار ما بينها وبين ما قبلها وما بعدها بأحكام الرصف واتقان الربط من الامتزاج أشد مما بين الروح والجسد ، المشيرة إلى أن هذه المحرمات هي التي تحقق بها أهل الكفر كمال المخالفة ، فأيسوا معها من المواصلة والمؤالفة ؛ رجع إلى تتمات لتلك المحظورات ، فقال مسببا عن الرضى بالإسلام الذي هو الحنيفية السمحة المحرمة لهذه الخبائث لإضرارها بالبدن والدين : (فَمَنِ اضْطُرَّ) أي ألجىء إلجاء عظيما ـ من أي شيء كان ـ إلى تناول شيء مما مضى أنه حرم ، بحيث لا يمكنه معه الكف عنه (فِي مَخْمَصَةٍ) أي مجاعة عظيمة (غَيْرَ مُتَجانِفٍ) أي متعمد ميلا (لِإِثْمٍ) أي بالأكل على غير سد الرمق ، أو بالبغي على مضطر آخر بنوع مكر أو العدو عليه بضرب قهر ، وزاد بعد هذا التقييد تخويفا بقوله : (فَإِنَّ اللهَ) أي الذي له الكمال كله (غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي يمحو عنه إثم ارتكابه للمنهي ولا يعاقبه عليه ولا يعاتبه ويكرمه ، بأن يوسع عليه من فضله ، ولا يضطره مرة أخرى ـ إلى غير ذلك من الإكرام وضروب الإنعام.
(يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤))
ولما تقدم إحلال الصيد وتحريم الميتة ، وختم ذلك بهذه الرخصة ، «وكان النبي صلىاللهعليهوسلم قد أمر بقتل الكلاب» (١) وكان الصيد ربما مات في يد الجارح قبل إدراك ذكاته ، سأل بعضهم عما يحل من الكلاب ، وبعضهم عما يحل من ميتة الصيد إحلالا مطلقا لا بقيد الرخصة ، إذ كان الحال يقتضي هذا السؤال ؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن أبي رافع رضي الله عنه قال : «أمرني رسول الله صلىاللهعليهوسلم بقتل الكلاب ، فقال الناس : يا رسول الله! ما أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ»)(٢).
__________________
(١) صحيح. أخرجه مسلم ١٥٧٢ وأبو داود ٢٨٤٦ كلاهما من حديث جابر بن عبد الله ، ولفظ مسلم : «أمرنا رسول الله صلىاللهعليهوسلم بقتل الكلاب ، حتى أن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله ، ثم نهى النبي صلىاللهعليهوسلم عن قتلها ، وقال : عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين ، فإنه شيطان»
(٢) حسن. أخرجه الحاكم ٢ / ٣١١ والطبري ١١٣٨ والواحدي في أسباب النزول ص ١٤١ والطبراني
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
