الأكابر الأماثل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك وإيضاح ما فيه من لطيف المسالك ، ومن هذه الآية وقع الالتفات إلى قوله تعالى : (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ) [الأنعام : ١] وقوله تعالى : (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) [المائدة : ٤] وما أحسن تصديرها بيأيها الذين آمنوا ـ كما صدر أول السورة به ، وقد مضى بيان جميع ما مضى في الوفاء بالعقود ، فكان كأنه تعالى قال : أوفوا بالعقود ، فلا تتهاونوا بها فتنقضوها ، ولا تبالغوا فيها فتكونوا معتدين فتضعفوا ، فإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، بل سددوا وقاربوا ، والقصد القصد تبلغوا ، وقال ابن الزبير بعد قوله : (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ) [المائدة : ١٤] ثم فصل للمؤمنين أفعال الفريقين ـ أي اليهود والنصارى ـ ليتبين لهم فيما نقضوا ، ثم بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى : (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً) [المائدة : ٨٢]. ثم نصح عباده وبين لهم أبوابا منها دخول الامتحان ، وهي سبب في كل الابتلاء ، فقال : (لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) [المائدة : ٨٧] فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم شارعين لأنفسكم وظالمين ـ انتهى. و (ما أَحَلَ) شامل لكل ما كانوا أرادوا أن يتورعوا عنه من المآكل والملابس والمناكح والنوم وغير ذلك.
(وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩))
ولما كان الحال لما ألزموا به أنفسهم مقتضيا للتأكيد ، أمر بالأكل بعد أن نهى عن الترك ليجتمع على إباحة ذلك الأمر والنهي فقال : (وَكُلُوا) ورغبهم فيه بقوله : (مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) أي الملك الأعظم الذي لا يرد عطاؤه.
ولما كان الرزق يقع على الحرام ، قيده بعد القيد بالتبعيض بقوله : (حَلالاً) ولما كان سبحانه قد جعل الرزق شهيا ، وصفه امتنانا وترغيبا فقال : (طَيِّباً) ويجوز أن يكون قيدا محذرا مما فيه شبهة تنبيها على الورع ، ويكون معنى طيبه تيقن حله ، فيكون بحيث تتوفر الدواعي على تناوله دينا توفّرها على تناول ما هو نهاية في اللذة شهوة وطبعا ، وأن يكون مخرجا لما تعافه النفس مما أخذ في الفساد من الأطعمة لئلا يضر ، قال ابن المبارك : الحلال ما أخذ من جهته ، والطيب ما غذّي ونميّ ، فأما الطين والجوامد وما لا يغذي فمكروه إلا على جهة التداوي ، وأن يكون مخرجا لما فوق سد الرمق في حالة
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
