على صحة ما أخبر به : (إِنَّ رَبَّكَ) أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب شاهدا لك بإعجازه بالتصديق (هُوَ) أي وحده (أَعْلَمُ) وكان الموضع للإضمار فأظهر للتعميم والتنبيه على الوصف الذي أوجب لهم ذلك فقال : (بِالْمُعْتَدِينَ) أي الذين يتجاوزون الحدود مجتهدين في ذلك.
(وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢))
ولما كان مما يقبل في نفسه في الجملة أن يذكر اسم الله عليه ما يحرم لكونه ملكا للغير أو فيه شبهة ، نهى عنه على وجه يعم غيره ، فقال عطفا على «فكلوا» (وَذَرُوا) أي اتركوا على أيّ حالة اتفقت وإن كنتم تظنونها غير صالحة (ظاهِرَ الْإِثْمِ) أي المعلوم الحرمة من هذا وغيره (وَباطِنَهُ) من كل ما فيه شبهة من الأقوال والأفعال والعقائد ، فإن الله جعل له في القلب علامة ، وهو أن يضطرب عنده ولا يسكن كما قال صلىاللهعليهوسلم : والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر (١) ـ أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه ؛ ثم علل ذلك بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ) أي ولو بأخفى أنواع الكسب ، بما دل عليه تجريد الفعل ، وهو الاعتقاد للاسم الشريف.
ولما كان العاقل من خاف من مطلق الجزاء بني للمفعول قوله (سَيُجْزَوْنَ) أي بوعد لا خلف فيه (بِما) أي بسبب ما (كانُوا) بفاسد جبلاتهم (يَقْتَرِفُونَ) أي يكتسبون اكتسابا يوجب الفرق وهو أشد الخوف ويزيل الرفق ، وصيغة الافتعال للدلالة على أن أفعال الشر إنما تكون بمعالجة من النفس للفطرة الأولى السليمة.
ولما أمرهم بالأكل مما ينفعهم ويعينهم على شكره محذرا من أكل ما يعيش مرأى بصائرهم ، أتبعه نهيهم نهيا جازما خاصا عن الأكل مما يضرهم في أبدانهم وأخلاقهم ، وهو ما ضاد الأول في خلوه عن الاسم الشريف فقال (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ) أي مما لا يقبل أن يذكر (اسْمُ اللهِ) أي الذي لا يؤخذ شيء إلا منه ، لأن له الكمال كله فله
__________________
(١) صحيح. أخرجه مسلم ٢٥٥٣ والبخاري في الأدب المفرد ٢٩٥ و ٣٠٢ والترمذي ٢٣٨٩ والدارمي ٢ / ٣٢٢ والبيهقي ١٠ / ١٩٢ وأحمد ٤ / ١٨٢ من حديث النواس بن سمعان ولفظ المصنف عند أحمد ٤ / ٢٢٧ و ٢٢٨ والطبراني ٢٢ / (١٤٧) و (١٤٩).
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
