على ما يجب قوله على كل من سمع ذلك ، فقال : (سُبْحانَهُ) أي أسبحه سبحانا يليق بجلاله أن يضاف إليه ؛ ولما كان معنى التسبيح الإبعاد عن النقص ، وكان المقام يقتضي كونه في العلو ، صرح به فقال : (وَتَعالى) أي تباعد أمر علوه إلى حد لا حد له ولا انتهاء (عَمَّا يَصِفُونَ*.)
(بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤))
ولما ختم بالتنزيه عما قالوا من الشريك والولد ، استدل على ذلك التنزيه بأن الكل خلقه ، محيط بهم علمه ، ولن يكون المصنوع كالصانع ، فقال : (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي مبدعهما ، وله صفة الإبداع ، أي القدرة على الاختراع ثابتة ، ومن كان كذلك فهو غني عن التوليد ، فلذا حسن التعجب في قوله : (أَنَّى) أي كيف ومن أيّ وجه (يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ) وزاد في التعجيب بقوله : (وَلَمْ) أي الحال أنه لم يكن (لَهُ صاحِبَةٌ وَ) الحال أنه (خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) أي مقدور ممكن من كل صاحبة تفرض ، وكل ولد يتوهم ، وكل شريك يدعي فكيف يكون المبدع محتاجا إلى شيء من ذلك على وجه التوليد أو غيره.
ولما كانت القدرة لا تتم إلا بشمول العلم قال : (وَهُوَ) ولم يضمر تنبيها على أن عموم العلم لا تخصيص فيه كالخلق فقال : (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي فهو على كل شيء قدير ، لأن شمول العلم يلزمه تمام القدرة ـ كما يأتي برهانه إن شاء الله في طه ، ومن كان له ولد لم يكن محيط العلم ولا القدرة ، بل يكون محتاجا إلى التوليد.
ولما ثبت أنه لا كفوء له بما ذكر من صفاته وأفعاله ، وبين فساد أقوال المشركين ، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه ، وبين فساد كل واحد منها بأمتن الحجج ، فثبت بذلك ما افتتح السورة به من إحاطته بصفات الكمال ، قال مشيرا إلى ذلك كله بمبتدأ خبر بعده أخبار : (ذلِكُمُ) أي العالي الأوصاف جدا الذي لا حاجة له إلى شيء ، وكل شيء محتاج إليه (اللهُ) أي الذي له كل كمال (رَبُّكُمْ) أي الموجد لكم والمحسن بجميع أنواع الإحسان ، فهي فذلكة ما قبلها وثمرته ، لأن من اتصف بذلك كان هو رب الكل وحده والخالق للجميع واستحق العبادة وحده فلذا أتبع ذلك قوله : (لا إِلهَ إِلَّا
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
