ولما طال التحذير والزجر والتهويل في شأن اليتامى ، وكان ذلك ربما أوجب النفرة من مخالطتهم رأسا فتضيع مصالحهم ؛ وصل بذلك ما بين أن ذلك خاص بالظالم في سياق موجب لزيادة التحذير فقال مؤكدا لما كان قد رسخ في نفوسهم من الاستهانة بأموالهم : (إِنَّ الَّذِينَ) ولما كان الأكل أعظم مقاصد الإنسان عبر به عن جميع الأغراض فقال : (يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) أي أكلا هو في غير موضعه بغير دليل يدل عليه ، فهو كفعل من يمشي في الظلام ، ثم أتبعه ما زاده تأكيدا بالتحذير في سياق الحصر فقال : (إِنَّما يَأْكُلُونَ) أي في الحال ، وصور الأكل وحققه بقوله : (فِي بُطُونِهِمْ ناراً) أي تحرق المعاني الباطنية التي تكون بها قوام الإنسانية ، وبين أنها على حقيقتها في الدنيا ، ولكنا لا نحسها الآن لأنها غير النار المعهودة في الظاهر بقوله ـ مكررا التحذير مبينا بقراءة الجماعة بالبناء للفاعل أنهم يلجؤون إليها إلجاء يصيّرهم كأنهم يدخلونها بأنفسهم : (وَسَيَصْلَوْنَ) أي في الآخرة ـ بوعيد حتم لا خلف فيه (سَعِيراً) أي عظيما هو نهاية في العظمة ، وذلك هو معنى ابن عامر وعاصم بالبناء للمجهول ، أي يلجئهم إلى صليها ملجىء قاهر لا يقدرون على نوع دفاع له.
(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١))
ولما تم ذلك تشوفت النفوس إلى بيان مقادير الاستحقاق بالإرث لكل واحد ، وكان قد تقدم ذكر استحقاق الرجال والنساء من غير تقييد يتيم ، فاقتضت البلاغة بيان أصول جميع المواريث ، وشفاء العليل بإيضاح أمرها ، فقال ـ مستأنفا في جواب من كأنه سأل عن ذلك مؤكدا لما أمر به منها غاية التأكيد مشيرا إلى عظمة هذا العلم بالتقدم في الإيصاء في أول آياته ، والتحذير من الضلال في آخرها ، ورغب فيه النبي صلىاللهعليهوسلم بأنه نصف العلم ، وحذر من إضاعته بأنه أول علم ينزع من الأمة : (يُوصِيكُمُ اللهُ) أي بما له من العظمة الكاملة والحكمة البالغة ، وبدأ بالأولاد لأن تعلق الإنسان بهم أشد فقال : (فِي أَوْلادِكُمْ) أي إذا مات مورثهم.
ولما كان هذا مجملا كان بحيث يطلب تفسيره ، فقال جوابا لذلك بادئا بالأشرف بيانا لفضله بالتقديم وجعله أصلا والتفضيل : (لِلذَّكَرِ) أي منهم إذا كان معه شيء من
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
