وخفيت نورانيته في موجود أصنافه صفي الله سبحانه وتعالى من وجود كلية ذلك هذا الخلق الآدمي فكان صفي الله ، فأنبأ الخطاب عن تصييره إلى الصفاء بالافتعال ؛ انتهى ـ فقال سبحانه وتعالى : (إِنَّ اللهَ) أي بجلاله وعظمته وكماله في إحاطته وقدرته (اصْطَفى) أي للعلم والرسالة عنه سبحانه وتعالى إلى خلقه والخلافة له في ملكه (آدَمَ) أباكم الأول الذي لا تشكون في أنه خلقه من تراب ، وهو تنبيه لمن غلط في أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام على أن أعظم ما استغربوا من عيسى كونه من غير ذكر ، وآدم أغرب حالا منه بأنه ليس من ذكر ولا أنثى ولا من جنس الأحياء ـ كما سيأتي ذلك صريحا بعد هذا التلويح لذي الفهم الصحيح.
قال الحرالي : فاصطفاه من كلية مخلوقه الذي أبداه ملكا وملكوتا خلقا وأمرا ، وأجرى اسمه من أظهر ظاهره الأرضي وأدنى أدناه ، فسماه آدم من أديم الأرض ، على صيغة أفعل ، التي هي نهاية كمال الآدمية والأديمية. فكان مما أظهر تعالى في اصطفاء آدم ما ذكر جوامعه علي رضي الله عنه في قوله : لما خلق الله سبحانه وتعالى أبان فضله للملائكة وأراهم ما اختصه به من سابق العلم من حيث علمه عند استنبائه إياه أسماء الأشياء فجعل الله سبحانه وتعالى آدم محرابا وكعبة وبابا وقبلة ، أسجد له الأبرار والروحانيين الأنوار ، ثم نبه آدم على مستودعه وكشف له خطر ما ائتمنه عليه بعد أن سماه عند الملائكة إماما ، فكان تنبيهه على خطر أمانته ثمرة اصطفائه ـ انتهى (وَنُوحاً) أباكم الثاني الذي أخرجه من بين أبوين شابين على عادتكم المستمرة فيكم. وقال الحرالي : أنبأ تعالى أنه عطف لنوح عليه الصلاة والسّلام اصطفاء على اصطفاء آدم ترقيا إلى كمال الوجود الآدمي وتعاليا إلى الوجود الروحي العيسوي ، فاصطفى نوحا عليه الصلاة والسّلام بما جعله أول رسول بتوحيده من حيث دحض الشرك وأقام كلمة الإيمان بقول «لا إله إلا الله» ، لما تقدم بين آدم ونوح من عبادة الأصنام والأوثان ، فكان هذا الاصطفاء اصطفاء باطنا لذلك الاصطفاء الظاهر فتأكد الاصطفاء وجرى من أهلكته طامة الطوفان مع نوح عليه الصلاة والسّلام من الذر الآدمي مجرى تخليص الصفاوات من خثارتها ، وكما صفي آدم من الكون كله صفي نوحا عليهالسلام وولده الناجين معه من مطرح الخلق الآدمي الكافرين الذين لا يلدون إلا فاجرا كفارا ، فلم يكن فيهم ولا في مستودع ذراريهم صفاوة تصلح لمزية الإخلاص الذي اختص بصفوته نوح عليه الصلاة والسّلام (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ) [الأحزاب : ٧] فكان ميثاق نوح عليهالسلام ما قام به من كلمة التوحيد ورفض الأصنام والطاغوت التي اتخذها الظلمانيون من ذر آدم ، فتصفى بكلمة التوحيد النورانيون منه ، فكان نوح عليه الصلاة والسّلام ومن نجا معه صفوة زمانه ، كما كان آدم صفوة حينه ـ انتهى.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
