(إِنْ) أي ما (تَتَّبِعُونَ) أي في قولكم هذا وغالب أموركم (إِلَّا الظَّنَ) أي في أصول دينكم وهي لا يحل فيها قول إلا بقاطع (وَإِنْ) أي وما (أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) أي تقولون تارة بالحزر والتخمين وتارة بالكذب المحض اليقين.
(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠))
ولما انتفى أن يكون لهم حجة ، وثبت أن الأمر إنما هو لله ، ثبت أنه المختص بالحجة الواضحة ، فقال مسببا عن ذلك : (قُلْ فَلِلَّهِ) أي الإله الأعظم وحده (الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) أي التي بلغت أعلى درجات الحق قوة ومتانة وبيانا ووضوحا ورصانة بسبب أنه شامل العلم كامل القدرة كما أقررتم بذلك حين قلتم «ولو شاء الله ما أشركنا» وإن كنتم قلتموه على سبيل الإلزام والعناد لا لأجل التدين والاعتقاد (فَلَوْ شاءَ) أي الله (لَهَداكُمْ) أي أنتم ومخالفيكم (أَجْمَعِينَ) ولكنه لم يشأ ذلك ، بل شاء هداية بعض وضلال آخرين ، فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه ، فلزم على قولكم أن يكون الفريقان محقين ، فيكون الشيء الواحد حقا غير حق في حال واحد ، وهذا لا يقوله عاقل ، ويلزمكم على ذلك أيضا أن توالوا أخصامكم ولا تعادوهم وإن فعلوا ما فعلوا ، لأنه حق رضى الله لأنه بمشيئته وأنتم لا تقولون ذلك ، فبطل قولكم فثبت أنه قد يشاء الباطل لأنه لا يسأل عما يفعل ويرسل الرسل إليكم لإزالته ليقيم بهم الحجة على من يريد عقابه على ما يتعارفه الناس بينهم ، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع.
ولما صدق الحق ، وانكسر جند الباطل واندق ببطلان جميع شبههم ، ونطقت الدلائل وأفحم المجادل ، فبان أنه لا شاهد لهم بحق لأنه لا حق لهم ، كان كأنه قيل : قل لهم : ها أنا قد شهد لي بما قلته من لا ترد شهادته وزكاتي الذي لا يقبل إلا تزكيته بهذا الكتاب الذي كان عجزكم عن الإتيان بشيء من مثله شاهدا بأنه قوله ، فهل لكم أنتم من شاهد يقبل! ولما لم يكن لهم شاهد غير متخرصيهم ، فإن المبطل يظهر باطله عند المحاققة سنة من الله مستمرة ، فيظهر للمشهود لهم بما يلوح من بهتهم أنهم ليسوا على شيء ، أمره سبحانه أن يأمرهم بدعائهم ليظهر خزيهم وتشتهر فضيحتهم فقال : (قُلْ هَلُمَ) أي احضروا ، وهي كلمة دعوة يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع عند الحجازيين (شُهَداءَكُمُ.)
ولما كان كأنه قيل : أيّ شهداء؟ قال : (الَّذِينَ يَشْهَدُونَ) أي يوقعون الشهادة على
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
