ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦))
ولما كان علم جميع أحوال المخلوق دالا على أن العلم بها هو خالقه ، وأن من ادعى أن خالقه عاجز عن ضبط مملكته : عن كشف غيره لعوراتها وعلم ما لا يعلمه هو منها ، فلم يكن إلها ، وكان الإله هو العالم وحده ، وكان المحيط العلم لا يعسر عليه تمييز التراب من التراب ، وكان صلىاللهعليهوسلم يخبرهم عن الله من مغيبات أسرارهم وخفايا أخبارهم مما يقصون منه العجب ويعلمون منه إحاطة العلم حتى قال أبو سفيان بن حرب يوم الفتح : لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء (١) ، قال تعالى عاطفا (هُوَ الَّذِي) دالا على الوحدانية بشمول العلم بعد قيام الدليل على تمام القدرة والاختيار ، لأن إنكارهم المعاد لأمرين : أحدهما ظن أن المؤثر في الأبدان امتزاج الطبائع وإنكار أن المؤثر هو قادر مختار ، والثاني أنه ـ على تقدير تسليم الاختيار ـ غير عالم بالجزئيات ، فلا يمكنه تمييز بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو ، فإذا قام الدليل على كمال قدرته سبحانه واختياره وشمول علمه لجميع المعلومات : الكليات والجزئيات ، زالت جميع الشبهات : (وَهُوَ اللهُ) أي الذي له هذا الاسم المستجمع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى المدعو به تألها له وخضوعا وتعبدا ، وعلق بهذا المعنى قوله : (فِي السَّماواتِ) لأن من في الشيء يكون متصرفا فيه.
ولما كان الخطاب لمنكري البعث أكد فقال : (وَفِي الْأَرْضِ) أي هذه صفته دائما على هذا المراد من أنه سبحانه ثابت له هذا الاسم الذي تفرد به على على وجه التأله والتعبد في كل من جهتي العلو والسفل ، ولا يفهم ذو عقل صحيح ما يقتضيه الظاهر من أنه محوي ، فإن كل محوي منحصر محتاج إلى حاويه وحاصره ، ضعيف التصرف فيما وراءه ، ومن كان محتاجا نوع احتياج لا يصلح للألوهية والمشيئة لحديث الجارية : أين الله؟ قالت : في السماء (٢) ، ومحجوج بحديث : «أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت
__________________
(١) راجع سيرة ابن هشام ٢ / ٢١٩.
(٢) صحيح. أخرجه مسلم ٥٣٧ وأبو داود ٩٣٠ و ٣٢٨٢ والنسائي ٣ / ١٤ وابن أبي شيبة ١١ / ٢٠٠٩ وابن الجارود ٢١٢ والطيالسي ١١٠٥ وابن حبان ١٦٥ وابن أبي عاصم ١٠٤ وأبو عبيد ٨٤ والبيهقي في السنن ١٠ / ٥٧ وأحمد ٥ / ٤٤٧ و ٤٤٨ كلهم من حديث معاوية بن الحكم قال : كانت لي غنيمة ترعاها جارية لي في قبل أحد ، فاطلعت ذات يوم ، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها ، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون فصككتها صكّة ، فأتيت رسول الله صلىاللهعليهوسلم فعظّم ذلك علي ، فقلت : يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال : ائتني بها ، فأتيته بها ، فقال لها : أين الله؟ قالت : في السماء. قال من أنا؟ قالت : أنت رسول الله. قال : أعتقها فإنها مؤمنة ا ه وللحديث قصة في أوله عند مسلم.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
