قال مرغبا في التذكر فإنه سبب الفيض الإلهي على القلوب المهيأة له : (لَهُمْ) أي المتذكرين (دارُ السَّلامِ) أي الجنة ، أضافها سبحانه إليه زيادة في الترغيب فيها ، وخص هذا الاسم الشريف لأنه لا يلم بها شيء من عطب ولا خوف ولا نصب ؛ ثم زاد الترغيب فيها بقوله : (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي في ضمان المحسن إليهم وحضرته بما هيأهم له ويسره لهم (وَهُوَ) أي وحده (وَلِيُّهُمْ) أي المتكفل بتولي أمورهم ، لا يكلهم إلى أحد سواه ، وهذا يدل على قربه منهم ، والعندية تدل على قربهم منه لما شرح من صدورهم بالتوحيد ؛ ولما كان ذلك ربما قصر على التذكر ، بين أن المراد منه التأدية إلى الأعمال فإنها معيار الصدق وميزانه فقال : (بِما) أي بسبب ما (كانُوا) أي كما جبلهم عليه ، فما كان ذلك إلّا بفضله (يَعْمَلُونَ.)
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠))
ولما فصل سبحانه أحوال الفريقين ، وحض على التذكر تنبيها على أن كل ما في القرآن مما يهدي إليه العقل ، وذكر مآل المتذكرين فأفهم أن غيرهم إلى عطب ، لأنهم تولوا ما يضرهم لأنهم تبعوا شهواتهم ، وكان من المعلوم أنهم يعبدون غير مالكهم ، وأنه ما من عبد يخدم غير سيده بغير أمر سيده إلّا عاتبه أو عاقبه ، هذا مركوز في كل عقل ؛ ذكر سبحانه ما يتقدم ذلك المآل من الأهوال في الأجل المسمى الذي أخفاه عنده وجعله من أعظم مباني هذه السورة ، وأبهمه في أولها ، وبيّن في أثنائها بعض أحواله مرارا في وجوه من أفانين البيان ، وهو يوم الحشر ، فذكر هنا سبحانه بعض أحوال الغافلين وبعض ما يقول لهم فيه وما يفعله معهم من عتاب وعقاب ، لطفا بهم واستعطافا إلى المتاب ، فقال جامعا الفريقين (وَيَوْمَ) أي اذكر في تذكرك يوم (يَحْشُرُهُمْ) أي أهل ولايتنا وأهل عداوتنا (جَمِيعاً) لا نذر منهم أحدا (يا) أي فنقول على لسان من نشاء من جنودنا لأهل عداوتنا تبكيتا وتوبيخا حين لا يكون لهم مدافعة أصلا : (مَعْشَرَ الْجِنِ) أي المستترين الموحشين من مردة الشياطين المسلطين على الإنس ، وهم يرونهم من حيث لا ترونهم (قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ) أي طلبتم وأوجدتم الكثرة (مِنَ الْإِنْسِ) أي من إغواء
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
