ولما كان التقدير : لأنه مالك خلقه وملكهم لا اعتراض عليه في شيء من أمره ، عطف عليه قوله نقضا ثالثا بما هو أعم مما قبله فقال : (وَلِلَّهِ) أي الذي له الأمر كله ، فلا كفوء له (مُلْكُ السَّماواتِ) وقدمها لشرفها دلالة على ملك غيرها من باب أولى ، وصرح بقوله : (وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما) أي وأنتم مما بينهما ، وقد اجتمع بذلك مع الملك والإبداع الملك والتصريف والتصرف التام ، وذلك هو الغنى المطلق ، ومن كان كذلك لم يكن محتاجا إلى شيء من ولد ولا غيره ، ولا يكون لأحد عليه حق ، ولا يسوغ عليه اعتراض.
ولما كان التقدير : فمنه وحده الابتداء ، عطف عليه قوله : (وَإِلَيْهِ) أي وحده (الْمَصِيرُ) أي الصيرورة والرجوع وزمان ذلك ومكانه معنى في الدنيا بأنه لا يخرج شيء عن مراده ، وحسا في الآخرة ، فيحكم بين مصنوعاته على غاية العدل ـ كما هو مقتضى الحكمة وشأن كل ملك في إقامة ملكه بإنصاف بعض عبيده من بعض ، لا يجوز عنده في موجب السياسة إطلاق قويهم على ضعيفهم ، فإن ذلك يؤدي إلى خراب الملك وضعف الملك ، فإذا كان هذا شأن الملوك في العبيد الناقصين فما ظنك بأحكم الحاكمين! فإذا عاملهم كلهم بالعدل أسبغ على من يريد ملابس الفضل.
(يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩))
ولما دحضت حجتهم ، ووضحت أكذوبتهم ، اقتضى ذلك الالتفات إلى وعظهم على وجه الامتنان عليهم وإبطال ما عساهم يظنونه حجة ، فقال تعالى : (يا أَهْلَ الْكِتابِ) أي من الفريقين ؛ ولما كان ما حصل لهم من الضلال بتضييع ما عندهم من البينات وتغييرها ما لا يتوقع معه الإرسال ، قال معبرا بحرف التوقع : (قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا) أي الذي عظمته من عظمتنا ، فإعظامه وإجلاله واجب لذلك ، ثم بين حاله مقدما له على متعلق جاء بيانا لأنه أهم ما إلى الرسل إليهم إرشادا إلى قبول كل ما جاء به بقوله : (يُبَيِّنُ لَكُمْ) أي يوقع لكم البيان في كل ما ينفعكم بيانا شافيا لما تقدم وغيره.
ولما كان مجيئه ملتبسا ببيانه وظرفا له غير منفك عنه ، وكان بيانا مستعليا على وقت مجيئه وما مضى قبله وما يأتي بعده ببقاء كتابه ، محفوظا لعموم دعوته وختامه وتفرده ، فلا نبي بعده ، قال معلقا بجاء : (عَلى فَتْرَةٍ) أي طويلة بالنسبة إلى ما كان يكون بين النبيّين من بني إسرائيل ، مبتدئة تلك الفترة (مِنَ الرُّسُلِ) أي انقطاع من مجيئهم ، شبّه فقدهم وبعد العهد بهم ونسيان أخبارهم ، وبلاء رسومهم وآثارهم ،
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
