ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦))
ولما كان إبراهيم عليهالسلام قد انتصب لإظهار حجة الله في التوحيد والذب عنها ، وكان التقدير تنبيها للسامع على حسن ما مضى ندبا لتدبره : هذه مقاولة إبراهيم عليهالسلام لأبيه وقومه ، عطف عليه قوله معددا وجوه نعمه عليه وإحسانه إليه ، دالا على إثبات النبوة بعد إثبات الوحدانية : (وَتِلْكَ) أي وهذه الحجة العظيمة الشأن التي تلوناها عليكم ، وهي ما حاج إبراهيم عليهالسلام به قومه ، وعظمه بتعظيمها فقال : (حُجَّتُنا) أي التي يحق لها بما فيها من الجلالة أن تضاف إلينا ، لأنها من أشرف النعم وأجل العطايا (آتَيْناها) أي بما لنا من العظمة (إِبْراهِيمَ) وأوقفناه على حقيقتها وبصرناه بها ، ونبه على ارتفاع شأنها بأداة الاستعلاء مضمنا لآتينا وأقمنا ، فقال : (عَلى قَوْمِهِ) أي مستعليا عليهم غالبا لهم قائمة عليهم الحجة التي نصبها ، ثم زاد في الإعلام بفضله بقوله مستأنفا : (نَرْفَعُ) أي بعظمتنا (دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ) بما لنا من القدرة على ذلك كما رفعنا درجة إبراهيم عليهالسلام على جميع أهل ذلك العصر.
ولما كانت محاجته لهم على قانون الحكمة بالعالم العلوي الذي نسبوا الخلق والتدبير بالنور والظلمة إليه ، وكان في ختام محاجته لهم أن الجاري على قانون الحكمة أن الملك الحق لا يهين جنده فلا خوف عليهم ، وكان قبل ذلك في الاستدلال على البعث الذي هو محط الحكمة ؛ كان الأنسب أن يقدم في ختم الآية وصف الحكمة فقال : (إِنَّ رَبَّكَ) أي خاصا لنبيه صلىاللهعليهوسلم بالمخاطبة باسم الإحسان تنبيها على أن حجبه الدليل عمن يشاء لحكم أرادها سبحانه ، ففيه تسلية له صلىاللهعليهوسلم (حَكِيمٌ) أي فلا يفعل بحزبه إلّا ما ظنه به خليله صلىاللهعليهوسلم مما يقر أعينهم ، إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما (عَلِيمٌ) فلا يلتبس عليه أحد من غيرهم ، فيفعل به ما يحل بالحكمة.
ولما أشار إلى رفعته بأنه بصّره بالحجة حتى كان على بصيرة من أمره ، وأنه علا على المخالفين برفع الدرجات ، أتبع ذلك ما دل عليها وعلى حكمته بعلمه بالعواقب ، فقال معلما بأنه جعله عزيزا في الدنيا لأن أشرف الناس الأنبياء والرسل ، وهم من نسله وذريته ، ورفع ذكره أبدا لأجل قيامه بالذب عن توحيده : (وَوَهَبْنا لَهُ) أي لخليلنا عليهالسلام بما لنا من العظمة (إِسْحاقَ) ولدا له على الكبر حيث لا يولد لمثله ولا لمثل زوجته (وَيَعْقُوبَ) أي ولد ولد ، وابتدأ سبحانه بهما لأن السياق للامتنان على الخليل عليهالسلام ، وهو أشد سرورا بابنه الذي متع به ولم يؤمر بفراقه وابن ابنه الذي أكثر
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
