ويمنحونهم مودتهم وأخبارهم من علمائهم وزهادهم ـ عدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، لكونهم جديرين بذلك لما يزعمونه من اتباع كتابهم فقال : (لَوْ لا) أي هلا ولم لا (يَنْهاهُمُ) أي يجدد لهم النهي (الرَّبَّانِيُّونَ) أي المدعون للتخلي من الدنيا إلى سبيل الرب (وَالْأَحْبارُ) أي العلماء (عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ) أي الكذب الذي يوجبه وهو مجمع له (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) وذلك لأن قولهم للمؤمنين (آمَنَّا) وقولهم لهم (إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) [البقرة : ١٤] لا يخلو عن كذب ، وهو محرم في توراتهم وكذا أكلهم الحرام ، فما سكوتهم عنهم في ذلك إلا لتمرنهم على المعاصي وتمردهم في الكفر واستهانتهم بالجرأة على من لا تخفى عليه خافية ، ولا يبقى لمن عاداه باقية.
ولما كان من طبع الإنسان الإنكار على من خالفه ، وكانت الفطرة الأولى مطابقة لما أتت به الرسل من قباحة الكذب وما يتبعه من الفسوق. وكان الإنسان لا ينزل عن تلك الرتبة العالية إلى السكوت عن الفاسقين فضلا عن تحسين أحوالهم إلا بتدرب طويل وتمرن عظيم ، حتى يصير له ذلك كالصفة التي صارت بالتدريب صنعة يألفها وملكة لا يتكلفها ، فجعل ذنب المرتكب للمعصية غير راسخ ، لأن الشهوة تدعوه إليها ، وذنب التارك للنهي راسخا لأنه لا شهوة له تدعوه إلى الترك ، بل معه حامل من الفطرة السليمة تحثه على النهي ، فكان أشد حالا ؛ قال : (لَبِئْسَ ما) ولما كان ذلك في جبلاتهم ، عبر بالكون فقال : (كانُوا يَصْنَعُونَ) أي في سكوتهم عنهم وسماعهم منهم.
(وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤))
ولما لم تزل الدلائل على إبطال دعوى أهل الكتاب في البنوة والمحبة تقوم ، وجيوش البراهين تنجد ، حتى انتشبت فيهم سهام الكلام أي انتشاب ، قال تعالى معجبا من عامتهم بعد تعيين خاصتهم ، معلما بأنهم لم يقنعوا بالسكوت عن المنكر حتى تكلموا بأنكره ، مشيرا إلى سفول رتبتهم ودناءة منزلتهم بأداة التأنيث : (وَقالَتِ الْيَهُودُ) معبرين عن البخل والعجز جرأة وجهلا بأن قالوا ذاكرين اليد لأنها موضع القدرة وإفاضة الجود والنصرة : (يَدُ اللهِ) أي الذي يعلم كل عاقل أن له صفات الكمال (مَغْلُولَةٌ) أي فهو لا يبسط الرزق غاية البسط ، وهذا كناية عن البخل والعجز من غير نظر إلى مدلول كل من ألفاظه على حياله أصلا ، كما قال تعالى : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
