موضع «مما تركوا» : (مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) مشيرا إلى أنه لا فرق بينهن وبين الرجال في القرب الذي هو سبب الإرث ، ثم زاد الأمر تأكيدا وتصريحا بقوله إبدالا مما قبله بتكرير العامل : (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ) ثم عرف بأن ذلك على وجه الحتم الذي لا بد منه ، فقال مبينا للاعتناء به بقطعه عن الأول بالنصب على الاختصاص بتقدير أعني : (نَصِيباً مَفْرُوضاً) أي مقدرا واجبا مبينا ، وهذه الآية مجملة بينتها آية المواريث ، وبالآية علم أنها خاصة بالعصبات من التعبير بالفرض لأن الإجماع ـ كما نقله الأصبهاني عن الرازي ـ على أنه ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر.
ولما بين المفروض أتبعه المندوب فقال تعالى : (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى) أي ممن لا يرث صغارا أو كبارا (وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ) أي قرباء أو غرباء (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) أي المتروك ، وهو أمر ندب لتطييب قلوبهم ، وقرينة صرفه عن الوجوب ترك التحديد (وَقُولُوا لَهُمْ) أي مع الإعطاء (قَوْلاً مَعْرُوفاً) أي حسنا سائغا في الشرع مقبولا تطيب به نفوسهم.
(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠))
ولما أعاد الوصية باليتامى مرة بعد أخرى ، وختم بالأمر بالإنة القول ، وكان للتصوير في التأثير في النفس ما ليس لغيره ؛ أعاد الوصية بهم لضعفهم مصورا لحالهم مبينا أن القول المعروف هو الصواب الذي لا خلل فيه فقال : (وَلْيَخْشَ) أي يوقع الخشية على ذرية غيرهم (الَّذِينَ) وذكر لهم حالا هو جدير بإيقاع الخشية في قلوبهم فقال : (لَوْ تَرَكُوا) أي شارفوا الترك بموت أو هرم ، وصوّر حالهم وحققه بقوله : (مِنْ خَلْفِهِمْ) أي بعد موتهم أو عجزهم العجز الذي هو كموتهم (ذُرِّيَّةً) أي أولادا من ذكور أو إناث (ضِعافاً) أي لصغر أو غيره (خافُوا عَلَيْهِمْ) أي جور الجائرين.
ولما تسبب عن ذلك التصور في أنفسهم خوفهم على ذرية غيرهم كما يخافون على ذريتهم سواء كانوا أوصياء أو أولياء أو أجانب ، وكان هذا الخوف ربما أداهم في قصد نفعهم إلى جور على غيرهم ؛ أمر بما يحفظهم على الصراط السوي بقوله : (فَلْيَتَّقُوا) وعبر بالاسم الأعظم إرشادا إلى استحضار جميع عظمته فقال : (اللهَ) أي فليعدلوا في أمرهم ليقيّض الله لهم من يعدل في ذريتهم ، وإلا أوشك أن يسلط على ذريتهم من يجور عليهم (وَلْيَقُولُوا) أي في ذلك وغيره (قَوْلاً سَدِيداً) أي عدلا قاصدا صوابا ، ليدل هذا الظاهر على صلاح ما أتمره من الباطن.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
