ولما كانوا قد سألوا عند نزول الآية عما من شأن الأنفس الصالحة الناظرة للورع المتحرك للسؤال عنه ، وهو من مات منهم وهو يفعلهما ، قال جوابا لذلك السؤال : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا) أي تصديقا لإيمانهم (الصَّالِحاتِ جُناحٌ) فبين سبحانه أن هذا السؤال غير وارد لأنهم لم يكونوا منعوا منهما ، وكانوا مؤمنين عاملين للصالحات متقين لما يسخط الرب من المحرمات ، وقد بين ذلك النبي صلىاللهعليهوسلم فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : «حرمت الخمر ثلاث مرات : قدم رسول الله صلىاللهعليهوسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ، فسألوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن ذلك ، فأنزل الله تعالى على نبيه صلىاللهعليهوسلم (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) [البقرة : ٢١٩] ، فقال الناس : لم يحرم علينا ، إنما قال : إن فيهما إثما ، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين المغرب فخلط في قراءته ، فأنزل الله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) [النساء : ٤٣] فكانوا يشربونها حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق ، فنزلت (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ) [المائدة : ٩٠] ، فقالوا : انتهينا يا رب! وقال الناس : يا رسول الله! ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان! فأنزل الله (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ) [المائدة : ٩٣] ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم» (١) ولا يضر كونه من رواية أبي معشر وهو ضعيف لأنه موافق لقواعد الدين ، وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال : «كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة رضي الله عنه وما شرابهم إلا الفضيخ : البسر والتمر ، وإذا مناد ينادي : ألا! إن الخمر قد حرمت ، فقال لي أبو طلحة رضي الله عنه : اخرج فاهرقها ، فهرقتها ، فقال بعض القوم : قد قتل فلان وفلان وهي في بطونهم؟ فأنزل الله تعالى (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ)(٢) على أنه لو لم يرد هذا السبب كانت المناسبة حاصلة ، وذلك أنه تعالى لما أباح الطيب من المأكل وحرم الخبيث من المشرب ، نفى الجناح عمن يأكل ما أذن فيه أو يشرب عدا ما حرمه. فأتى بعبارة تعم المأكل والمشرب فقال : (فِيما طَعِمُوا) أي مأكلا كان أو مشربا ، وشرط ذلك عليهم بالتقوى ليخرج المحرمات فقال : (إِذا مَا اتَّقَوْا) أي أوقعوا جميع التقوى التي تطلب منهم فلم يطعموا محرما.
__________________
(١) حسن. أخرجه أحمد ٢ / ٣٥٢ في المسند من حديث أبي هريرة بطوله ، وفي إسناده أبو معشر ضعيف وورد بنحوه من حديث البراء أخرجه الطيالسي ٥١٧ وصححه ابن كثير ٢ / ٩٩.
وورد عن زيد بن علي مرسلا أخرجه الطبري ٤١٤٨.
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٦٤٦٤ ومسلم ١٩٨٠ وأبو داود ٣٦٧٣ وأحمد ٣ / ٢٣٧ كلهم من حديث أنس بن مالك.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
