بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة النساء
مقصودها الاجتماع على التوحيد الذي هدت إليه آل عمران ، والكتاب الذي حدّت عليه البقرة لأجل الدين الذي جمعته الفاتحة تحذيرا مما أراده شأس بن قيس وأنظاره من الفرقة ، وهذه السورة من أواخر ما نزل ، روى البخاري في فضائل القرآن «عن يوسف بن ماهك أن عراقيا سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن تريه مصحفها ، فقالت : لم؟
قال : لعلي أؤلف القرآن عليه ، فإنه يقرأ غير مؤلف ، قالت : وما يضرك أيّه قرأت قبل ، إنّما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل ، فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل لا تزنوا لقالوا : لا ندع الزنى أبدا ، لقد نزل بمكة على محمد وإني لجارية ألعب (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ) [القمر : ٤٦] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ، قال : فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور» (١) انتهى. وقد عنت بهذا رضي الله عنها أن القرآن حاز أعلى البلاغة في إنزاله مطابقا لما تقتضيه الأحوال بحسب الأزمان ، ثم رتب على أعلى وجوه البلاغة بحسب ما تقتضيه المفاهيم من المقال ـ كما نشاهده من هذا الكتاب البديع المثال البعيد المنال.
(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢))
ولما كان مقصودها الاجتماع على ما دعت إليه السورتان قبلها من التوحيد ، وكان السبب الأعظم في الاجتماع والتواصل عادة الأرحام العاطفة التي مدارها النساء سميت «النساء» لذلك ، ولأن بالاتقاء فيهن تتحقق العفة والعدل الذي لبابه التوحيد (بِسْمِ اللهِ)
__________________
(١) موقوف صحيح. أخرجه البخاري ٤٩٩٣ في فضائل القرآن عن يوسف بن ماهك عن عائشة به.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
