ولما كان المتمادي بعد نزول هذا الهدي موجدا للكفر مجددا له ، نبه على إغراقه في البعد بغضبه سبحانه وتعالى لتماديه معلما أن الثبات على الكفر عظيم جدا ، وصوّره بأقبح صورة ، وفي ذلك ألطف استعطاف إلى النزوع عن الخلاف فقال : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي بما كانوا مهيئين له من الإيمان بالفطرة الأولى (ثُمَّ كَفَرُوا) أي أوقعوا الكفر فعوّجوا ما أقامه الله من فطرهم (ثُمَّ آمَنُوا) أي حقيقة أو بالقوة بعد مجيء الرسول بما هيأهم له بإظهار الأدلة وإقامة الحجج (ثُمَّ كَفَرُوا) أي بذلك الرسول أو برسول آخر بتجديد الكفر أو التمادي فيه (ثُمَّ ازْدادُوا) أي بإصرارهم على الكفر إلى الموت (كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ) أي الذي له صفات الكمال (لِيَغْفِرَ لَهُمْ) أي ما داموا على هذا الحال لأنه لا يغفر أن يشرك به (وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) أي من السبل الموصلة إلى المقصود.
ولما كانت جميع صور الآية منطبقة على النفاق ، بعضها حقيقة وبعضها مجازا ، قال جوابا لمن كأنه سأل عن جزائهم متهكما بهم : (بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ) فأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف (بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) ثم وصفهم بما يدل على أنهم المساترون بالكفر بقوله تعالى : (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ) أي المجاهرين بالكفر (أَوْلِياءَ) أي يتعززون بهم تنفيرا من مقاربة صفتهم ليتميز المخلص من المنافق ، وبيانا لأن مرادهم بولايتهم إنما هو التعزز بهم فإن محط أمرهم على العرض الدنيوي ، ونبه على دناءة أمرهم على أن الغريق في الإيمان أعلى الناس بقوله : (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) أي الغريقين في الإيمان ، ثم أنكر عليهم هذا المراد بقوله : (أَيَبْتَغُونَ) أي المنافقون يتطلبون ، تطلبا عظيما (عِنْدَهُمُ) أي الكافرين (الْعِزَّةَ) فكأنه قال : طلبهم العزة بهم سفه من الرأي وبعد من الصواب ، لأنه لا شيء من العزة عندهم.
ولما أنكر عليهم هذا الابتغاء علله بقوله : (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ) أي الذي لا كفوء له (جَمِيعاً) أي وهم أعداء الله فإنما يترقب لهم ضرب الذلة والمسكنة ، وما أحسن التفات هذه الآية إلى أول الآيات المحذرة من أهل الكتاب (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ) [النساء : ٤٤] المختتمة بقوله : (وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً) [النساء : ٤٥] (وَقَدْ) أي يتخذونهم والحال أنه قد (نَزَّلَ عَلَيْكُمْ) أي أيتها الأمة ، الصادقين منكم والمنافقين (فِي الْكِتابِ) أي في سورة الأنعام النازلة بمكة المشرفة النهي عن مجالستهم فضلا عن ولايتهم ، أفلا تخافون عزة من نهاكم عن ذلك أن يضربكم بذل لا تخلصون منه أبدا ، لأنهم لا ينفكون عن الكفر بآيات الله فإنه لا تباح ولايتهم في حال من الأحوال إلا عند الإعراض عن الكفر ، وذلك هو المراد من قوله : (إِنْ) أي إنه (إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ) أي ذي الجلال والإكرام.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
